رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
صحة

بعد حديث عميد طب قصر العيني عن إنقاذ ضحايا «أقراص الغلة».. ما العلاج؟ ولماذا لا يتوافر على نطاق واسع بالمستشفيات؟

أثار حديث الدكتور حسام صلاح، عميد كلية طب قصر العيني ورئيس مجلس إدارة مستشفيات جامعة القاهرة، خلال مؤتمر علمي، عن نجاح قصر العيني في إجراء تدخلات لإنقاذ أشخاص تعرضوا للتسمم بأقراص حفظ الغلال، المعروفة شعبيًا بـ«حبة الغلة»، تساؤلات مهمة بشأن طبيعة هذا العلاج، وما إذا كان يمثل ترياقًا جديدًا للسم القاتل، ولماذا لا يتاح بنفس الصورة في جميع المستشفيات المصرية.

وبحسب ما ذكره الدكتور حسام صلاح خلال المؤتمر، فإن وزير التعليم العالي والبحث العلمي أبدى دهشته عند علمه بوجود هذه الإمكانية العلاجية داخل قصر العيني، في وقت ارتبط فيه تسمم أقراص الغلة لسنوات بمعدلات وفاة مرتفعة للغاية. والبحث في التجربة العلمية المنشورة لمستشفيات جامعة القاهرة يكشف أن الأمر لا يتعلق باكتشاف دواء سحري أو ترياق يبطل مفعول السم، وإنما باستخدام إحدى أكثر تقنيات الرعاية الحرجة تقدمًا، وهي الأكسجة الغشائية خارج الجسم ECMO، وبصفة خاصة نظام VA-ECMO الذي يستطيع دعم القلب والدورة الدموية مؤقتًا لدى بعض المرضى الذين وصلوا إلى مرحلة الانهيار القلبي والدوراني نتيجة التسمم.

ما «حبة الغلة» ولماذا تعد شديدة الخطورة؟

الاسم الشائع «حبة الغلة» يطلق على أقراص تستخدم في تبخير الحبوب وحمايتها من الآفات، وترتبط حالات التسمم الخطيرة في مصر بصورة أساسية بمركبات الفوسفيد، وعلى رأسها فوسفيد الألومنيوم Aluminium Phosphide. وعندما يتفاعل فوسفيد الألومنيوم مع الرطوبة، وخصوصًا في البيئة الحمضية للمعدة، يتحرر غاز الفوسفين Phosphine شديد السمية.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن الفوسفين يعطل بصورة شديدة عمليات إنتاج الطاقة داخل الخلايا، مع تأثير واضح على الميتوكوندريا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إصابة عدد من أجهزة الجسم، إلا أن أخطر ما يحدث في الحالات الشديدة هو التأثير على القلب والدورة الدموية. وقد يعاني المريض من هبوط حاد في ضغط الدم، واضطرابات خطيرة في ضربات القلب، وضعف شديد في عضلة القلب، وحماض استقلابي، وفشل في الدورة الدموية، وقد يمتد الضرر إلى الرئتين والكبد والكلى وأعضاء أخرى.

ويزداد الخطر لأن التدهور قد يكون سريعًا، بينما لا يوجد حتى الآن ترياق نوعي معتمد يستطيع إبطال سمية الفوسفيد أو الفوسفين مباشرة؛ لذلك ظل العلاج لسنوات يعتمد بصورة أساسية على الرعاية الداعمة المكثفة ومحاولة الحفاظ على وظائف الجسم حتى يتراجع تأثير السم.

ما العلاج الذي يستخدمه قصر العيني؟

هنا تظهر تقنية ECMO، وهي اختصار لـExtracorporeal Membrane Oxygenation، أي «الأكسجة الغشائية خارج الجسم». ويمكن تبسيط فكرتها بأنها منظومة متطورة تستطيع القيام بصورة مؤقتة بجزء من وظيفة القلب أو الرئتين أو الاثنين معًا، بحسب نوع الجهاز وطريقة توصيله.

وفي حالات التسمم الشديد بفوسفيد الألومنيوم التي يصاب فيها المريض بانهيار حاد في عضلة القلب والدورة الدموية، تكون التقنية الأكثر ارتباطًا بهذه الحالات هي Veno-Arterial ECMO أو VA-ECMO. فبدل أن يظل الجسم معتمدًا بالكامل على قلب أصبح عاجزًا مؤقتًا عن ضخ كمية كافية من الدم، تسحب منظومة الإيكمو الدم عبر قساطر كبيرة إلى دائرة خارج الجسم، ثم تعيده إلى الدورة الدموية بعد دعمه بالأكسجين وبالضغط والتدفق اللازمين للحفاظ على وصول الدم إلى الأعضاء الحيوية.

وبمعنى أكثر وضوحًا، الإيكمو لا يزيل السم من الجسم ولا يبطل تأثيره مباشرة، لكنه يحافظ على حياة المريض خلال الساعات والأيام الحرجة التي قد تكون فيها عضلة القلب عاجزة عن أداء وظيفتها. والفكرة العلمية التي يقوم عليها العلاج هي أن إصابة القلب الناتجة عن الفوسفين يمكن أن تكون قابلة للتعافي عند بعض المرضى إذا أمكن الحفاظ على الدورة الدموية ومنع تلف المخ والكلى والكبد وبقية الأعضاء إلى أن يزول التأثير الحاد للسم ويبدأ القلب في استعادة وظيفته.

تجربة قصر العيني.. 8 ناجين من 10 حالات شديدة الخطورة

إحدى أهم الدراسات المنشورة عن التجربة المصرية أعدها باحثون من قسم الطب الشرعي والسموم الإكلينيكية وقسم طب الحالات الحرجة بكلية طب جامعة القاهرة. وشملت الدراسة 10 مرضى وصلوا إلى وحدة الأستاذ الدكتور شريف مختار للرعاية المركزة بقصر العيني بعد تناول فوسفيد الألومنيوم.

ولم تكن الحالات بسيطة؛ فجميع المرضى كانوا في حالة غير مستقرة واعتُبروا من الحالات مرتفعة الخطورة، وتم تحويلهم بعد عدم الاستجابة الكافية للعلاج الداعم التقليدي، وتراوحت أعمار المرضى بين 13 و40 عامًا. والنتيجة اللافتة أن 8 مرضى من أصل 10 تحسنوا وخرجوا من المستشفى، بينما توفي مريضان.

وخلص الباحثون إلى أن استخدام ECMO يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في حماية أعضاء الجسم وإتاحة الوقت اللازم للتعافي في الحالات المختارة من التسمم الشديد بفوسفيد الألومنيوم. لكن هذه النتيجة، رغم أهميتها، يجب تفسيرها علميًا بحذر؛ لأن الدراسة عبارة عن سلسلة حالات صغيرة وليست تجربة عشوائية كبيرة يمكن من خلالها إثبات نسبة نجاح عامة لكل المصابين.

تجربة أخرى بجامعة القاهرة.. 15 ناجيًا من 21 مريضًا

وتوجد بيانات أخرى منشورة عن خبرة مستشفيات جامعة القاهرة في استخدام ECMO مع مرضى التسمم بالفوسفيد خلال الفترة من مايو 2022 إلى أغسطس 2023. وشملت الدراسة 21 مريضًا شديد الخطورة، كان 20 منهم مصابين بتسمم فوسفيد الألومنيوم وحالة واحدة بفوسفيد الزنك.

وكانت الصورة الإكلينيكية للمرضى بالغة الخطورة؛ فمتوسط ضغط الدم الشرياني قبل تشغيل الإيكمو كان نحو 47.8 ملم زئبق، بينما بلغت نسبة المرضى الذين تعرضوا لتوقف القلب قبل تركيب الجهاز 57%. كما أظهرت الفحوص ضعفًا شديدًا في عضلة القلب؛ إذ بلغ متوسط كفاءة ضخ البطين الأيسر قبل الدعم بالإيكمو نحو 22.4%.

ومع العلاج والدعم، ارتفعت كفاءة القلب لدى من أمكن فصلهم عن الجهاز إلى نحو 49.4%، وذكر الباحثون أنها عادت إلى المعدلات الطبيعية عند خروج الناجين. وفي النهاية خرج من المستشفى 15 مريضًا من أصل 21، بنسبة تقارب 71%.

ولا ينبغي جمع أرقام هذه الدراسة آليًا مع دراسة الحالات العشر للوصول إلى إجمالي جديد؛ لأن الفترات والمراكز والمرضى قد تتداخل بين الدراسات المنشورة.

ماذا تقول الدراسات العالمية؟

تجربة القاهرة تتفق مع سلسلة متنامية من التقارير العلمية الدولية التي بحثت استخدام ECMO لإنقاذ حالات التسمم الشديدة بفوسفيد الألومنيوم المصحوبة بصدمة قلبية لا تستجيب للعلاج التقليدي.

وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2024، جمع الباحثون الحالات والدراسات المتاحة لمقارنة نتائج المرضى الذين استخدم معهم ECMO بنتائج مجموعات تلقت العلاج التقليدي، ووجد التحليل أن معدل الوفاة المجمع بين الحالات التي عولجت باستخدام ECMO بلغ نحو 23%، مقابل نحو 60% في مجموعات العلاج التقليدي التي شملتها الدراسات.

لكن هذه النتيجة لا تعني أن الإيكمو يخفض الوفاة من 60% إلى 23% بصورة مؤكدة عند أي مريض، لأن التحليل اعتمد على دراسات رصدية وتقارير وسلاسل حالات، وليس على تجارب عشوائية كبيرة، كما أن اختلاف شدة المرضى وتوقيت وصولهم ومعايير اختيارهم يمكن أن يؤثر في النتائج.

لماذا يستطيع الإيكمو إنقاذ مريض يبدو أنه على وشك الوفاة؟

تكمن الإجابة في طبيعة التأثير القلبي للفوسفين. ففي بعض المرضى يكون القلب مصابًا بضعف شديد ومؤقت، وإذا كان القلب غير قادر على ضخ الدم بصورة كافية، يبدأ ضغط الدم في الانخفاض، ويتراجع وصول الأكسجين إلى المخ والكلى والكبد وبقية الأعضاء، ثم تدخل الحالة في دائرة خطيرة؛ إذ يؤدي ضعف القلب إلى هبوط الدورة الدموية، ويؤدي هبوط الدورة إلى نقص وصول الأكسجين للأعضاء، وتتزايد الحموضة في الدم، وهو ما يؤدي بدوره إلى مزيد من ضعف القلب.

إذا أمكن كسر هذه الدائرة في الوقت المناسب، يمكن أن تكون هناك فرصة للتعافي. وهنا يقوم VA-ECMO بتوفير دعم ميكانيكي مؤقت للدورة الدموية، ويمنح القلب فترة من الراحة حتى يستعيد قدرته على العمل.

هل كل مريض تناول حبة غلة يحتاج إلى ECMO؟

لا. فالإيكمو ليس علاجًا روتينيًا لجميع حالات التسمم، وإنما إجراء شديد التعقيد والتدخل، ويخصص عادة للحالات الحرجة التي يحدث فيها فشل شديد قابل للتعافي في القلب أو الرئتين ولا تستجيب بصورة كافية لوسائل العلاج التقليدية.

وتعتبر منظمة دعم الحياة خارج الجسم ELSO أن الاستخدام الأساسي للدعم خارج الجسم يكون في حالات الفشل القلبي أو الرئوي الحاد والشديد التي ترتفع فيها احتمالات الوفاة رغم العلاج التقليدي، مع ضرورة تقييم كل حالة بصورة فردية بواسطة فريق متخصص.

وبالتالي فإن تحديد المريض المناسب يعتمد على مجموعة من العوامل، من بينها حالة الدورة الدموية، ووظيفة عضلة القلب، ودرجة الحموضة واللاكتات، والاستجابة للأدوية الداعمة للدورة الدموية، وما إذا كان قد حدث توقف للقلب، ومدة التوقف، ووجود فشل أعضاء آخر، إضافة إلى تقييم احتمالية أن يكون الضرر قابلًا للتعافي.

لماذا لا يوجد هذا العلاج في كل مستشفى؟

قد يبدو السؤال منطقيًا: إذا كان جهاز يستطيع إنقاذ مريض من حالة شديدة الخطورة، فلماذا لا يوضع جهاز ECMO في كل مستشفى؟ الإجابة أن الإيكمو ليس مجرد جهاز يمكن شراؤه وتشغيله بمعزل عن منظومة طبية كاملة.

تشغيل برنامج ECMO يحتاج إلى فريق متعدد التخصصات قد يشمل أطباء الحالات الحرجة، وأطباء القلب، وجراحي القلب أو الأوعية الدموية، وأخصائيي تشغيل ماكينات القلب والرئة، وتمريض رعاية مركزة مدرب تدريبًا خاصًا، وأخصائيي تنفس، إلى جانب معامل وخدمات دم وأشعة وغسيل كلوي وإمكانات جراحية متاحة بصورة عاجلة.

ولهذا تميل برامج الإيكمو عالميًا إلى التمركز داخل المستشفيات الكبرى ومراكز الرعاية الحرجة عالية التخصص، بدل نشر الأجهزة بصورة عشوائية في المستشفيات دون وجود الخبرة البشرية والبنية التحتية اللازمة.

التكلفة.. الجهاز وحده ليس القضية

التكلفة عامل آخر مهم. ففي مارس 2026 أعلن قصر العيني تشغيل ثلاثة أجهزة ECMO جديدة، وقالت كلية طب جامعة القاهرة إن الأجهزة والمستلزمات الأساسية الجديدة حصلت على دعم بقيمة نحو 60 مليون جنيه.

لكن البنية المحيطة بالجهاز أوسع بكثير؛ إذ تضم منظومة قصر العيني أيضًا أجهزة تنفس صناعي متقدمة، وغسيلًا كلويًا مستمرًا، وبالونات أورطية، وغرفة عمليات وقسطرة هجينة وتجهيزات أخرى للحالات الحرجة.

وبالتالي لا يمكن قياس تكلفة الخدمة بسعر الجهاز وحده، وإنما تشمل المستلزمات التي تستخدم مع كل مريض، والأطقم الطبية المدربة، والعناية المركزة، والتحاليل المستمرة، والأدوية، ونقل الدم، والتعامل مع المضاعفات المحتملة.

الإيكمو نفسه ليس بلا مخاطر

رغم قدرته على إنقاذ الحياة في بعض الحالات، فإن ECMO إجراء كبير ومعقد ويمكن أن تصاحبه مضاعفات. وفي تجربة جامعة القاهرة التي شملت 21 مريضًا، سُجلت مشكلات مثل الأنيميا، ونقص الصفائح الدموية، والنزف من مكان تركيب القسطرة، كما ظل بعض المرضى معرضين للعدوى وفشل الأعضاء ومضاعفات عصبية شديدة.

ولهذا لا يمكن تشغيل الجهاز دون اختيار دقيق للمرضى ومراقبة على مدار الساعة وقدرة على التدخل السريع إذا حدث نزيف أو جلطة أو مشكلة في القسطرة أو دائرة الإيكمو.

هل قصر العيني هو المستشفى الوحيد في مصر الذي يمتلك ECMO؟

لا، والدقة هنا مهمة للغاية. فوجود برنامج متقدم للإيكمو في قصر العيني لا يعني عدم وجود التقنية في مستشفيات مصرية أخرى.

فعلى سبيل المثال، أعلن مركز جراحة القلب والصدر والأوعية الدموية بجامعة المنصورة في 4 أغسطس 2026 بدء تشغيل خدمة ECMO على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع، وتشمل VA-ECMO لدعم الدورة الدموية وVV-ECMO لدعم الرئتين وECPR للإنعاش القلبي الرئوي المدعوم في الحالات المختارة.

لكن وجود ECMO في مستشفى لا يعني تلقائيًا وجود برنامج متخصص لاستقبال حالات تسمم فوسفيد الألومنيوم؛ إذ يتطلب الأمر أيضًا بروتوكولات واضحة للتعاون بين مراكز السموم والعناية المركزة وفريق الإيكمو وآليات سريعة للتحويل.

ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «لماذا لا يوجد الإيكمو إلا في قصر العيني؟»، بل: كم مركزًا في مصر يستطيع بالفعل استقبال مريض تسمم بحبة الغلة في الوقت المناسب وتقييمه وتركيب VA-ECMO له إذا استوفى الشروط؟

قصر العيني يمتلك خبرة تمتد لأكثر من عقد

توضح بيانات كلية طب جامعة القاهرة أن وحدة الإيكمو بقصر العيني أُنشئت عام 2013، وجرى تطوير قدراتها على مدار السنوات التالية.

وفي يونيو 2026، خلال زيارة الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور محمد سامي عبدالصادق، رئيس جامعة القاهرة، للوحدة، أعلنت الجامعة أن وحدة الدعم الميكانيكي المتقدم للحياة تضم 8 أسرّة وأنها قدمت خدمات ECMO إلى 406 حالات، إضافة إلى تنفيذ أكثر من 30 تدخلًا قلبيًا عالي الخطورة.

ومن المهم التأكيد أن رقم 406 حالات يمثل إجمالي الحالات التي قدمت لها الوحدة الخدمة بمختلف أسباب استخدام ECMO، وليس 406 حالات تسمم بأقراص الغلة.

ماذا عن حديث عميد طب قصر العيني عن «مفاجأة الوزير»؟

بحسب المصدر المنقول عن الدكتور حسام صلاح خلال المؤتمر العلمي، فإن وزير التعليم العالي فوجئ عند علمه بوجود إمكانية إنقاذ حالات تسمم أقراص الغلة بهذه الطريقة في قصر العيني.

لكن البحث في البيانات الرسمية المتاحة يوثق أن الوزير الدكتور عبدالعزيز قنصوة زار بالفعل وحدة ECMO بقصر العيني يوم 29 يونيو 2026 ضمن جولة رسمية لتفقد مشروعات التطوير بالمستشفيات الجامعية، وشاهد وحدة الدعم الميكانيكي المتقدم للحياة وتجهيزاتها.

ولذلك، وحتى يتوفر التسجيل الكامل للتصريح، فإن الصياغة الصحفية الأدق هي نسبة عبارة «تفاجأ الوزير» مباشرة إلى الدكتور حسام صلاح، دون استنتاج أن الوزير لم يكن يعرف بوجود وحدة ECMO نفسها. وقد يكون المقصود من حديث العميد ـ إذا كان التصريح منقولًا حرفيًا ـ هو دهشة الوزير من استخدام التقنية تحديدًا لإنقاذ مرضى تسمم أقراص الغلة ونتائج التجربة، وليس من وجود تقنية الإيكمو بحد ذاتها.

هل توجد علاجات أخرى لحبة الغلة؟

المريض المصاب بتسمم فوسفيد الألومنيوم لا يعالج بالإيكمو وحده. العلاج في المستشفى يقوم على منظومة متكاملة من الرعاية الحرجة، تشمل دعم التنفس والدورة الدموية وتصحيح الاضطرابات الخطيرة في الجسم وعلاج اضطرابات القلب والفشل العضوي وفق حالة كل مريض.

كما درست الأبحاث عددًا من التدخلات الأخرى، بينها مضادات الأكسدة مثل N-acetylcysteine وفيتامين E، وعلاجات استقلابية ووسائل مختلفة لتقليل امتصاص المادة من الجهاز الهضمي، إضافة إلى استخدام مستحلبات الدهون في بعض الدراسات.

وبعض هذه التدخلات أظهر نتائج مشجعة في دراسات محدودة أو تحليلات بحثية، لكن حتى الآن لم يظهر ترياق نوعي واحد معتمد عالميًا يمكن اعتباره علاجًا حاسمًا لفوسفيد الألومنيوم.

المشكلة قد لا تكون في «تعميم الجهاز» وإنما في «شبكة الإحالة»

تعميم ECMO على كل مستشفى صغير أو متوسط ليس بالضرورة الحل الأمثل طبيًا أو اقتصاديًا. الأكثر واقعية هو وجود مراكز إقليمية متخصصة تعمل على مدار الساعة وتملك فرقًا ذات خبرة كبيرة، وربطها بالمستشفيات ومراكز السموم والإسعاف عبر شبكة إحالة واضحة.

فعندما تصل حالة تسمم شديدة إلى مستشفى لا يملك ECMO، ينبغي أن يكون لدى الفريق الطبي مسار معروف مسبقًا يحدد ما إذا كان المريض مرشحًا للإيكمو، وما المركز المتاح الأقرب، وهل توجد سعة لاستقباله، ومن يتواصل مع المركز، وكيف يُنقل المريض بأمان قبل أن يصل إلى انهيار كامل بالدورة الدموية.

وهنا تتحول القضية من مجرد امتلاك أجهزة إلى إدارة منظومة إنقاذ متكاملة.

الوقت قد يكون العامل الحاسم

تظهر دراسات ECMO في حالات فوسفيد الألومنيوم أن المريض الذي وصل إلى مرحلة توقف القلب لفترة طويلة أو فشل أعضاء واسع قد تكون فرصته أقل حتى مع استخدام أحدث التقنيات.

وفي بيانات جامعة القاهرة، ارتبطت النتائج الأسوأ بحدوث توقف القلب وطول مدته قبل بدء الدعم، إلى جانب مؤشرات شدة اضطراب الدورة الدموية.

وهذا يعني أن وجود جهاز ECMO على بعد عشرات أو مئات الكيلومترات لا يكفي وحده، وإنما المطلوب أن يصل المريض المناسب إليه قبل فوات نافذة التدخل الممكنة.

ما الذي نحتاج إلى معرفته رسميًا؟

تصريحات عميد قصر العيني والدراسات المنشورة تفتح ملفًا يحتاج إلى إجابات رسمية أوسع من وزارتي الصحة والتعليم العالي والمجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية.

فمن المهم معرفة العدد الفعلي لمراكز ECMO العاملة في مصر، وتوزيعها جغرافيًا، وعدد المراكز المؤهلة لاستقبال حالات التسمم بفوسفيد الألومنيوم، وعدد الحالات التي عولجت بهذه الطريقة، ومعايير اختيارها، ونسب البقاء، وآلية إحالة المرضى من المحافظات.

كذلك تبرز الحاجة إلى معرفة ما إذا كان هناك بروتوكول قومي موحد للتعامل مع حالات «حبة الغلة» التي تصل إلى مرحلة الصدمة القلبية المقاومة للعلاج، وما إذا كانت هناك خريطة معلنة للمراكز التي يمكنها استقبال هذه الحالات على مدار الساعة.

أسئلة تبحث عن إجابة

بعد النتائج التي أعلنها ونشرها قصر العيني، تصبح هناك مجموعة من الأسئلة المشروعة: لماذا لا توجد شبكة قومية معلنة لتحويل الحالات شديدة الخطورة إلى مراكز ECMO؟ وكم عدد مراكز الإيكمو التي تعمل بالفعل على مدار الساعة في مصر؟ وكم مركزًا منها قادر على التعامل مع حالات تسمم فوسفيد الألومنيوم وليس فقط حالات القلب أو الرئة المعتادة؟

كما يطرح الملف أسئلة أخرى بشأن قدرة الطبيب في مستشفى بمحافظة بعيدة على معرفة المركز المتاح والتحويل إليه فورًا، وما إذا كانت هناك فرق أو وسائل قادرة على نقل مريض شديد عدم الاستقرار، وما نتائج تجربة قصر العيني بعد زيادة عدد الحالات مقارنة بالدراسات المنشورة الأولى.

ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت هناك تقنية تستطيع منح بعض الحالات التي وصلت إلى انهيار شديد بالدورة الدموية فرصة حقيقية للبقاء، فكيف يمكن ضمان وصول المريض المناسب إليها في الوقت المناسب؟

الخلاصة.. ليس «مصلًا سحريًا» لكنه باب جديد للنجاة

المعلومات العلمية المتاحة لا تؤيد وصف ما يحدث في قصر العيني بأنه اكتشاف «مصل» أو «ترياق» لأقراص الغلة، فحتى الآن لا يوجد ترياق نوعي معتمد لفوسفيد الألومنيوم.

لكن ما يحدث يمثل تطورًا مهمًا في طريقة التعامل مع أخطر مضاعفات التسمم؛ فباستخدام VA-ECMO يمكن في حالات مختارة دعم قلب ودورة دموية أوشكا على الانهيار، والحفاظ على تدفق الدم إلى الأعضاء، ومنح الجسم عدة أيام يستطيع خلالها تجاوز المرحلة الأكثر سمية واستعادة عضلة القلب لوظيفتها.

وتجربة قصر العيني المنشورة، التي شهدت خروج 8 من 10 مرضى في إحدى سلاسل الحالات، و15 من 21 في دراسة أخرى، تقدم نتائج تستحق الاهتمام والدراسة والتوسع المنظم، لكنها لا تزال بحاجة إلى المزيد من الأدلة والدراسات الأكبر.

والقضية التي تطرح نفسها بعد حديث عميد طب قصر العيني لم تعد فقط: «هل يوجد علاج لحبة الغلة؟»، بل أصبحت: «كيف نحول تجربة الإنقاذ المتقدمة في المراكز المتخصصة إلى منظومة قومية تستطيع الوصول إلى المريض قبل أن يصبح الوقت متأخرًا؟»

لو تحب، أقدر كمان أقويه صحفيًا وأقلل الطابع البحثي بحيث يبقى أسرع وأشد جذبًا للقارئ من أول سطر.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>