«الإنسان قبل الصاروخ».. يحيى خيرالله يختتم حواره مع «يونيو نيوز»: هكذا صنعت كوريا الشمالية معادلة البقاء تحت الحصار
«من يملك الإنسان يملك المستقبل».. يحيى خيرالله يضع الكلمة الأخيرة في سلسلة «يونيو نيوز»

خيرالله: حزب العمل حوّل التهديد الخارجي إلى تعبئة داخلية.. وجمع بين القوة النووية والاقتصاد
«السيف الثمين».. هكذا تصف أدبيات الحزب الردع النووي باعتباره مظلة لحماية البناء الاقتصادي
من «هواسونغ» إلى الغواصات.. خيرالله يتحدث عن اكتمال منظومة الردع وتغير معادلة المواجهة
«التنمية في قلب الحصار».. الاعتماد على الذات وتعظيم الإنتاج المحلي ومشروعات المدن والإسكان
سامجيون و«20×10» والفضاء والصناعات العسكرية.. ملفات يضعها خيرالله في حصيلة التجربة الكورية
خيرالله في خاتمة الحوار: «بناء الإنسان» هو أكثر ما لفت انتباهي في التجربة الكورية
«الحضارات لا تبنيها الأموال وحدها».. الثروة البشرية في قلب الرسالة الأخيرة للحوار
بعد خمس حلقات تنقل فيها حوار «يونيو نيوز» بين القاهرة وبيونغ يانغ، ومن جذور العلاقات المصرية الكورية إلى أخطر محطات الملف النووي، ومن المناورات العسكرية وعقيدة الردع إلى حسابات الصين ومصالح الولايات المتحدة واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية، تصل السلسلة إلى محطتها السادسة والأخيرة، لكن النهاية هذه المرة لا تتوقف عند الصواريخ أو السلاح النووي أو خرائط النفوذ، بل تذهب إلى السؤال الأعمق: كيف تنظر القيادة الكورية إلى معادلة القوة والبقاء والتنمية تحت الضغوط والعقوبات؟
في هذه الحلقة، يفتح الدكتور يحيى خيرالله، رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية ورئيس مجلس التعاون العربي الكوري، ملف حزب العمل الكوري ودوره في إدارة الدولة والأزمة النووية، ويتحدث عن استراتيجية «بيونغجين» التي تقوم، وفق عرضه، على الجمع بين تطوير قوة الردع والاقتصاد الوطني، قبل أن ينتقل إلى المشروعات التنموية والاعتماد على الذات والتكنولوجيا والفضاء.
لكن المفاجأة في الحلقة الأخيرة أن خيرالله، وبعد رحلة طويلة في ملفات السلاح والسياسة والتحالفات، لا يختار الصاروخ أو القنبلة أو الجيش عندما يُسأل عما لفت انتباهه أكثر في التجربة الكورية، وإنما يختار كلمتين فقط: «بناء الإنسان»، لتتحول نهاية الحوار من قراءة في أزمة نووية إلى رسالة أوسع عن التعليم والانضباط والثقافة والعمل والثروة البشرية.
لا يمكن لأحد أن يغفل دور حزب العمل الكوري في إدارة الأزمة تحت قيادة الأمين العام كيم جونغ وون.. كيف تنظرون إلى هذا الدور؟
دعنا نطلق شعارًا يليق بهذا السؤال: حزب العمل الكوري يصنع «المعجزة»، ويحقق «التنمية في قلب الحصار».
ولكي نجسد ما يقوم به حزب العمل الكوري بقيادة الأمين العام كيم جونغ وون، علينا أن نتوقف عند عدة نقاط أساسية، وفي مقدمتها دور الحزب كقائد ومنظم أعلى للدولة.
حزب العمل الكوري ليس مجرد حزب سياسي، بل هو القوة القائدة والموجهة للدولة والمجتمع وفق الدستور، وفي ظل الأزمة النووية تحول الحزب إلى ما يمكن وصفه بغرفة عمليات مركزية لإدارة الصراع، واعتمد مبدأ القيادة الموحدة لتوحيد الجبهة الداخلية وتحويل التهديد الخارجي إلى دافع للتعبئة الشاملة.
وكيف استطاعت القيادة الكورية الجمع بين قوة الردع ومواصلة التنمية في الوقت نفسه؟
هنا نصل إلى الاستراتيجية المزدوجة، الردع والتنمية، وإلى شعار يعرفه الكوريون جيدًا وهو «بيونغجين».
ومن أهم ما ارتبط بالسياسات التي اتبعتها القيادة الكورية تطوير خط «بيونغجين»، أي التطوير المتزامن للقوة النووية والاقتصاد الوطني.
لم يعد السلاح النووي في أدبيات الحزب عبئًا، بل تحول إلى «السيف الثمين» الذي يوفر المظلة الأمنية اللازمة للتركيز على البناء الاقتصادي دون خوف من الغزو.
تصفون الردع بأنه أحد أهم أركان هذه المعادلة.. ماذا تحقق عسكريًا؟
على المستوى العسكري، وتحت القيادة المباشرة للأمين العام للحزب، حققت كوريا قفزة نوعية في تطوير قدرات الردع.
ونتحدث هنا عن منظومة تضم الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ومنها «هواسونغ-17» و«هواسونغ-18»، إلى جانب الصواريخ التي تطلق من الغواصات والقدرات النووية والهيدروجينية.
كما أُعلنت سياسة الاستخدام النووي، وأصبح الردع جزءًا رئيسيًا من التصور الكوري للأمن القومي.
ومن وجهة النظر الكورية، فإن اكتمال هذه القدرات غيّر طبيعة المواجهة، ونقل البلاد إلى مرحلة ترى فيها القيادة أنها أصبحت قادرة على ردع أي محاولة لاستخدام القوة العسكرية ضدها.
لكن تطوير كل هذه القدرات يحتاج موارد ضخمة.. فأين تقع التنمية الاقتصادية في هذه المعادلة؟
هنا نصل إلى ما أسميه «التنمية في قلب الحصار».
واجهت كوريا الشمالية عقوبات وضغوطًا دولية واسعة، وكان الاتجاه المقابل لذلك هو قيادة حملات تنموية تقوم على الاعتماد على الذات في إطار فكرة «زوتشيه»، وتعظيم الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج قدر الإمكان.
المعادلة لم تكن عسكرية فقط، وإنما كان هناك اتجاه لمحاولة مواصلة البناء الداخلي بالتوازي مع تطوير القدرات الدفاعية.
وما أبرز المشروعات التي تستند إليها في الحديث عن التنمية رغم العقوبات؟
هناك مشروعات تنموية كبيرة، من بينها بناء مدينة سامجيون الجديدة، إلى جانب آلاف الشقق السكنية في بيونغ يانغ، فضلًا عن مشروع تنمية الأقاليم «20×10».
والفكرة هنا هي عدم ترك التنمية محصورة في العاصمة وحدها، وإنما محاولة دفع مشروعات التنمية إلى الأقاليم أيضًا.
وهناك كذلك تقدم في مجالات التكنولوجيا والفضاء، ومن ذلك إطلاق القمر الصناعي الاستطلاعي «ماليغيونغ-1»، فضلًا عن تطوير الصناعات العسكرية والاستفادة منها كقاطرة يمكن أن تدفع قطاعات أخرى من الصناعة.
إذن أنتم ترون أن الحصار لم يوقف المشروع الكوري؟
الخلاصة السياسية من وجهة نظري أن حزب العمل الكوري تحت قيادة كيم جونغ وون استطاع تحويل الأزمة النووية والحصار من نقطة ضعف إلى مصدر للقوة والتماسك والشرعية الداخلية.
والتجربة بالنسبة لي تؤكد أن الإرادة السياسية الموحدة والقيادة المركزية الصلبة تستطيع مواصلة مشروعها التنموي والدفاع عن السيادة الوطنية حتى في أصعب الظروف الدولية.
وهذا هو جوهر ما أعنيه عندما أقول «التنمية في قلب الحصار»، فالمواجهة لم تكن عسكرية فقط، وإنما كانت معركة بقاء وتنمية وقدرة على الاستمرار في الوقت نفسه.
اسمح لي في نهاية هذا الحوار، وبعد معايشتك الطويلة للواقع الكوري عن قرب.. ما أكثر شيء لفت انتباهك في التجربة الكورية؟
أعتقد أن التجربة الكورية الناجحة تتمثل في شيء واحد بالغ الأهمية: «بناء الإنسان».
فالمواطن الكوري صاحب مواصفات وطنية استثنائية صقلتها الشدائد ولم تكسرها، لقد تحمل شظف العيش وقسوة المراحل الصعبة بصبر المؤمنين بقضيتهم، واستطاع رغم الحصار الدولي المفروض على بلاده أن يشارك في صناعة دولة تتمسك بعزتها وكرامتها وسيادتها، وأن يجعلها متقدمة تكنولوجيًا وعسكريًا ويُحسب لها حساب.
لكن ما الذي رأيته في المواطن الكوري وجعلك تعتبر «بناء الإنسان» سر التجربة؟
ما يثير إعجابي حقًا أنه ما زال يواجه صعوبات الحياة اليومية ويتحدى الحصار بإنسان متحضر، مهذب الخلق، رفيع التربية، يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الشخصية.
وهذا بالنسبة لي هو سر التفوق الكوري الحقيقي: إنسان بُني بإتقان فبنى وطنًا.
فالإنسان هو صانع المعجزات على هذه الأرض، وهو أثمن مخلوق فيها، وأهم من كل ثرواتها الظاهرة والباطنة، فالحضارات لا تبنيها الأموال وحدها، بل تبنيها العقول والسواعد المؤمنة بقدرتها على التغيير.
إذن أنت تضع الثروة البشرية قبل الثروات الطبيعية؟
بالتأكيد، وإنني أتعجب أشد العجب من تلك الدول التي تنظر إلى ثروتها البشرية باعتبارها عبئًا على التنمية، بينما هي في حقيقتها أعظم الثروات على الإطلاق.
فالإنسان حين يُصقل بالعلم ويُهذب بالأخلاق يتحول من مجرد عدد سكاني إلى طاقة خلاقة تصنع المستحيل.
الثروة الحقيقية ليست فقط فيما يوجد تحت الأرض من موارد، وإنما فيما يوجد فوقها من عقول قادرة على التفكير والإنتاج والإبداع والبناء.
وما الدرس الذي ترى أنه يمكن الاستفادة منه عربيًا؟
علينا أن نستفيد بعمق من التجربة الكورية، فهذه أمة لم تعتمد في تجربتها على النفط أو الغاز، لكنها امتلكت الإنسان واستثمرت فيه وجعلته محورًا أساسيًا في مشروعها.
ولعبت منظومة الثقافة والحضارة دورًا مهمًا في غرس قيم الانتماء والانضباط والعمل لدى المواطن، حتى أصبح الإنسان الواعي في هذه التجربة هو المعجزة الحقيقية.
ومن يملك الإنسان يملك المستقبل.
وهل تعتقد أن مفهوم القوة نفسه تغير في عالم اليوم؟
العلم الحديث يؤكد ما أدركته الأمم المتقدمة منذ عقود، وهو أن التنمية الحقيقية تبدأ من سؤال جوهري: كيف نصنع الإنسان ليكون عضوًا فاعلًا ومنتجًا لا عبئًا على مجتمعه؟
لم تعد القوة تقاس فقط بما تملكه الدول من موارد، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على الابتكار والتطوير، وبقدرتها على تحويل طاقتها البشرية إلى قوة إنتاج ومعرفة وتقدم.
بعد ست حلقات تحدثنا فيها عن التاريخ والسياسة والنووي والصواريخ والتحالفات والقوى الكبرى.. ما الكلمة الأخيرة التي تريد أن تختتم بها حوارك مع «يونيو نيوز»؟
علينا أن نبني الإنسان قبل الأوطان، فما قيمة الوطن بلا شعب؟
إن الأرض بلا إنسان واعٍ هي مجرد جغرافيا صماء، أما الإنسان المتعلم المثقف المتسلح بالقيم والأخلاق فهو الذي يمنح الوطن روحه ومعناه، وهو الذي يحول التراب إلى وطن، والوطن إلى أمة عظيمة.
وهنا، عند «الإنسان»، تنتهي الرحلة التي بدأها «يونيو نيوز» قبل ست حلقات من تاريخ العلاقات بين القاهرة وبيونغ يانغ، وعبرت الملف النووي والمناورات وعقيدة الردع والجيش والصواريخ والصين وتايوان وروسيا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، ثم وصلت في محطتها الأخيرة إلى داخل التجربة الكورية نفسها، حيث حزب العمل ومعادلة الردع والتنمية والاعتماد على الذات.
وبعد كل ما قيل عن القنبلة والصاروخ والعقوبات والتحالفات، اختار يحيى خيرالله أن يضع في السطر الأخير من الحوار عنصرًا آخر يراه أكثر أهمية من كل ذلك: الإنسان.
ست حلقات بدأت بالسياسة وانتهت بالإنسان.. وبينهما كانت كوريا الشمالية واحدة من أكثر الملفات الدولية إثارة للجدل والتعقيد.