«عرّاب جراحة العظام في الصعيد».. البروفيسور عصام الشريف من أسيوط إلى منصات الطب العالمية

حين تمتد رحلة الطبيب لأكثر من أربعة عقود، يصبح من الصعب اختصارها في عدد العمليات التي أجراها، أو المناصب التي شغلها، أو حتى الألقاب العلمية التي سبقت اسمه؛ فهناك مسيرات يُقاس أثرها بما تركته في تخصص كامل، وبعدد الأطباء الذين تعلموا على أيدي أصحابها، والمؤسسات التي شاركوا في بنائها، والمدارس العلمية التي ساهموا في استمرارها من جيل إلى آخر.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بتاريخ جراحة العظام في صعيد مصر يبرز اسم الأستاذ الدكتور عصام خلف الله الشريف، أستاذ جراحة العظام والكسور بجامعة أسيوط، والرئيس الأسبق لقسم جراحة العظام بالجامعة، وأحد الأساتذة الذين ارتبطت مسيرتهم بتاريخ القسم وتطوره.
رحلة الشريف لم تتوقف عند حدود جامعة أسيوط أو الممارسة الطبية داخل مصر، وإنما امتدت إلى العمل العلمي والتنظيمي الدولي، حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الجمعية الدولية لجراحة العظام والإصابات SICOT عن منطقة تضم الشرق الأوسط والأقرب وقارة أفريقيا، ممثلًا نطاقًا جغرافيًا يتجاوز 40 دولة.
وبين البداية في أسرة مصرية متوسطة، وسنوات الدراسة والتفوق، والسفر إلى ألمانيا للحصول على الدكتوراه، ثم العودة إلى الجامعة والتدرج داخلها، ورئاسة قسم جراحة العظام، والمشاركة في إعداد أجيال جديدة من الأطباء، وصولًا إلى تمثيل مصر دوليًا؛ تكشف مسيرة عصام الشريف عن جانب من تاريخ مدرسة جراحة العظام في جامعة أسيوط نفسها.
البداية من القاهرة.. والنشأة في ديروط
وُلد عصام خلف الله الشريف عام 1951 في القاهرة، وفقًا للسيرة التي نشرها بنفسه عبر الصفحة الرسمية لمستشفاه.
نشأ في أسرة متوسطة، وكان والده يعمل في مجال التربية والتعليم، وقضى الطفل سنواته الست الأولى في القاهرة، قبل أن تعود الأسرة إلى مسقط رأسها في ديروط بمحافظة أسيوط.
وهناك بدأت الملامح الأساسية لرحلته التعليمية.
قضى الشريف مراحل التعليم الأساسي والإعدادي وجزءًا من المرحلة الثانوية في ديروط، قبل أن يكمل الثانوية العامة في مدرسة ناصر، وكان التفوق الدراسي هو بوابته إلى كلية الطب، لتبدأ مرحلة جديدة ستحدد مسار حياته بالكامل.
طالب طب من الأوائل
داخل كلية الطب، لم تكن رحلة عصام الشريف مجرد عبور إلى شهادة التخرج.
وبحسب ما رواه عن سيرته، كان من الطلاب المتفوقين، وحصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى خلال سنوات دراسته.
ومع الانتقال من دراسة الطب بصورة عامة إلى اختيار التخصص، اتجه إلى جراحة العظام، وهو القرار الذي سيصبح لاحقًا محور مسيرته الأكاديمية والمهنية.
بدأ العمل والتدرج الأكاديمي داخل قسم جراحة العظام، ومن بينها عمله مدرسًا مساعدًا، قبل محطة مهمة خارج مصر حملته إلى ألمانيا لاستكمال دراسته وتخصصه.
الدكتوراه من ألمانيا
كانت التجربة الألمانية واحدة من المحطات المهمة في تكوين الشريف العلمي.
فوفقًا لسيرته المنشورة، حصل على الدكتوراه من ألمانيا عام 1983، قبل أن يستكمل مسيرته الأكاديمية ويصبح أستاذًا في جامعة أسيوط.
وتزامنت رحلته المهنية مع مرحلة مهمة في بناء وتطوير مدرسة جراحة العظام داخل الجامعة، وهي المدرسة التي تحولت مع الوقت إلى واحدة من المدارس الطبية المعروفة في التخصص.
ولم تنظر جامعة أسيوط إلى الشريف باعتباره أستاذًا سابقًا بالقسم فقط؛ ففي بيان رسمي للجامعة عام 2019 وصفته بأنه واحد من القامات العلمية المرموقة وأحد مؤسسي وأساتذة قسم جراحة العظام والكسور.
ست سنوات على رأس قسم جراحة العظام
مع سنوات العمل الأكاديمي والطبي، وصل الشريف إلى قيادة القسم الذي قضى داخله جزءًا كبيرًا من مسيرته.
وتولى رئاسة قسم جراحة العظام بجامعة أسيوط من عام 2005 وحتى عام 2011.
وخلال رئاسته للقسم، ظهر اهتمام واضح بفكرة التعليم الطبي المستمر وتبادل الخبرات بين الأطباء.
ففي أحد اللقاءات العلمية التي استضافتها جامعة أسيوط عام 2010، تحدث الشريف بصفته رئيس قسم العظام عن أهمية اللقاءات الإكلينيكية في تبادل الخبرات بين أطباء المستشفيات الجامعية والتعليمية ووزارة الصحة والتأمين الصحي والقوات المسلحة، وشهد اللقاء مشاركة نحو 250 طبيبًا وأستاذًا ومتخصصًا، وناقش موضوعات شملت المشكلات الإكلينيكية، والجديد في جراحات العمود الفقري، واستبدال المفاصل والجراحات الميكروسكوبية، إلى جانب ورش عمل متخصصة.
العمود الفقري.. محطة مهمة في مسيرته
احتلت جراحات العمود الفقري مساحة مهمة من النشاط العلمي للأستاذ الدكتور عصام الشريف.
وتولى رئاسة جمعية العمود الفقري خلال الفترة من 2008 إلى 2009، بالتزامن تقريبًا مع سنوات رئاسته لقسم جراحة العظام بجامعة أسيوط.
واستمر اسمه لاحقًا حاضرًا في الفعاليات العلمية المتخصصة في هذا المجال؛ ففي عام 2019 كان أحد رؤساء شرف المؤتمر السنوي الثاني لقسم العظام بمستشفى الشرطة بأسيوط، والذي انعقد تحت عنوان «الجديد في جراحات العمود الفقري».
وناقش المؤتمر حينها مجموعة واسعة من الملفات، من بينها تشوهات العمود الفقري والكسور الصدرية والعدوى الشوكية وآلام أسفل الظهر وعدم ثبات الفقرات القطنية وكسور العنق، إلى جانب ورش تدريبية حول تثبيت كسور وفقرات الظهر والعنق.
لم يعلّم طلابه فقط.. شارك في تقييم أساتذة التخصص
هناك جانب آخر في مسيرة الأستاذ الجامعي يتجاوز المحاضرة وغرفة العمليات، وهو المشاركة في تقييم الإنتاج العلمي للأجيال التي تسعى إلى الوصول لدرجات الأستاذية.
وفي هذا الجانب أيضًا، كان للشريف حضور لسنوات.
فقد كان عضوًا باللجنة الدائمة لترقية أساتذة جراحة العظام من عام 2008 حتى 2012.
ثم انتقل من عضوية اللجنة إلى موقع أكثر مسؤولية، وأصبح مقررًا للجنة الدائمة لترقية أساتذة جراحة العظام خلال الفترة من 2012 وحتى 2016.
وهو ما يعني أن دوره الأكاديمي لم يقتصر على تدريس الطلاب والأطباء الأصغر سنًا، وإنما امتد إلى المشاركة في منظومة تقييم وترقية أعضاء هيئة التدريس في التخصص.
من أسيوط إلى تمثيل مصر دوليًا
بعد سنوات طويلة داخل الجامعة، جاءت مرحلة أخرى حملت اسم عصام الشريف خارج الإطار المحلي.
فمنذ عام 2015 بدأ تمثيل مصر في الجمعية الدولية لجراحة العظام والإصابات SICOT، وفق ما أعلنته جامعة أسيوط.
والجمعية واحدة من المؤسسات الدولية العريقة في مجال جراحة العظام، وكانت تضم وقت إعلان فوزه بمنصبه الدولي متخصصين من أكثر من 110 دول حول العالم.
لكن المحطة الأكبر جاءت في ديسمبر 2019
أعلنت جامعة أسيوط حينها فوز الأستاذ الدكتور عصام الشريف في الانتخابات بمنصب نائب رئيس الجمعية الدولية لجراحة العظام والإصابات SICOT عن الشرق الأوسط والأقرب وقارة أفريقيا.
ولم يكن النطاق الذي أصبح مسؤولًا عنه صغيرًا؛ فقد كان يمثل منطقة تضم أكثر من 40 دولة.
ورأت جامعة أسيوط في انتخابه للمنصب تعزيزًا للمكانة الدولية للجامعة ولقسم جراحة العظام على وجه الخصوص.
أما الشريف نفسه، فربط أهمية المنصب بالدور الذي تلعبه الجمعية في تطوير جراحة العظام والكسور عالميًا، وتحسين الرعاية الصحية المقدمة للمرضى من خلال النشاط الطبي والمؤتمرات وتبادل المعرفة والخبرات بين المتخصصين.
📌 قد يهمك:
«من المتابعة الميدانية إلى قيادة ملف العلاج.. الدكتور عاصم كمال حارس جودة الخدمة الصحية في المنيا»
عندما ردت الجامعة الجميل لروادها
«من المتابعة الميدانية إلى قيادة ملف العلاج.. الدكتور عاصم كمال حارس جودة الخدمة الصحية في المنيا»
مع مرور السنوات، أصبح اسم عصام الشريف جزءًا من جيل الرواد الذين حرصت جامعة أسيوط نفسها على الاحتفاء بدورهم في بناء قسم جراحة العظام.
وفي عام 2016، كرمت الجامعة عددًا من رواد العمل الطبي ورموز جراحة العظام الذين كانت لهم بصمات في تأسيس وتطوير القسم.
وكان عصام خلف الله الشريف واحدًا من الأسماء التي شملها التكريم، إلى جانب مجموعة من كبار أساتذة القسم ورؤسائه السابقين.
وأكدت الجامعة وقتها أن تطور قسم جراحة العظام ومكانته يرجعان إلى التكامل بين أجياله، وإلى الجهد الذي بذله كبار الأساتذة في تدريب وإعداد الأطباء الأصغر سنًا بما أهلهم للمنافسة على مستوى متقدم في التخصص.
مليون جنيه لمستشفى الإصابات والطوارئ
لكن واحدة من المحطات اللافتة في قصة عصام الشريف لم تكن مرتبطة بمنصب أو جائزة أو مؤتمر علمي.
في مايو 2020، كان العمل جاريًا على تجهيز مستشفى الإصابات والطوارئ بجامعة أسيوط، وهو مشروع طبي ضخم خُطط له لاستيعاب أعداد كبيرة من المرضى والمصابين.
وقتها أعلن عن تبرع الأستاذ الدكتور عصام الشريف بمبلغ مليون جنيه للمساهمة في تجهيز المستشفى.
وجاء التبرع استجابة للمبادرة المجتمعية التي أطلقها قسم جراحة العظام للمساهمة في استكمال تجهيز المشروع.
وفي ذلك الوقت كان المستشفى مخططًا لتجهيزه وفق نظم طبية حديثة، وكان أعضاء هيئة التدريس قد ساهموا بالفعل في توفير مئات الأسرة ضمن احتياجات المستشفى.
ويضيف هذا الموقف بعدًا مختلفًا إلى سيرته؛ فالمؤسسة التي قضى فيها سنوات طويلة طالبًا وطبيبًا وأستاذًا ورئيسًا للقسم، عاد ليساهم من ماله في دعم أحد مشروعاتها الطبية الكبرى.
أستاذ حاضر حتى بعد انتهاء سنوات الإدارة
انتهاء رئاسة القسم لم يعنِ انتهاء حضور الشريف في الحياة العلمية لجامعة أسيوط.
ففي المؤتمر العلمي السنوي الخامس لقسم جراحة العظام عام 2022، الذي ناقش خشونة المفاصل وأحدث طرق التشخيص والعلاج، ظهر اسمه ضمن رؤساء شرف المؤتمر إلى جانب كبار أساتذة القسم.
والأمر لم يكن مجرد ظهور عابر؛ ففي المؤتمر السنوي الثامن لقسم جراحة العظام والإصابات بجامعة أسيوط، ظل اسم الأستاذ الدكتور عصام الشريف حاضرًا كذلك بين رؤساء شرف المؤتمر، في دلالة على استمرار موقعه المعنوي والعلمي بين أجيال القسم حتى بعد عقود من بداية رحلته.
مسيرة طبيب.. أم جزء من تاريخ مدرسة طبية؟
عند جمع محطات مسيرة عصام الشريف، تبدو الصورة أكبر من سيرة طبيب ناجح مارس جراحة العظام لسنوات طويلة.
فنحن أمام طالب متفوق بدأ رحلته من ديروط، ثم درس الطب، واختار جراحة العظام، وسافر إلى ألمانيا وحصل على الدكتوراه، وعاد ليستكمل طريقه داخل جامعة أسيوط حتى وصل إلى درجة الأستاذية ورئاسة القسم.
وبعد ذلك تجاوزت مسيرته حدود الجامعة ومصر، فمثّل البلاد في واحدة من أهم الجمعيات الدولية المتخصصة منذ 2015، ثم انتُخب نائبًا لرئيسها عن نطاق جغرافي يضم أكثر من 40 دولة.
وبين هذه المحطات، ظل الجانب المؤسسي حاضرًا؛ من المشاركة في تدريب الأطباء واللقاءات العلمية، إلى التبرع بمليون جنيه لدعم مستشفى الإصابات والطوارئ في الجامعة التي ارتبط بها اسمه.
لهذا ربما لا تكمن أهمية مسيرة الأستاذ الدكتور عصام خلف الله الشريف في لقب واحد أو منصب بعينه.
الأهم هو امتداد الرحلة نفسها؛ من طالب طب متفوق، إلى جرّاح وأستاذ، ثم رئيس لقسمه، وأحد المشاركين في صناعة أجيال جديدة من أطباء العظام، وصولًا إلى تمثيل المدرسة المصرية في واحد من أكبر التجمعات الدولية للتخصص.
إنها مسيرة بدأت من ديروط، لكن تأثيرها لم يتوقف عند حدود أسيوط.








