حين يقول الرئيس «حسن معاملة المواطنين».. لمن تصل الرسالة؟

حين يخرج رئيس الجمهورية في اجتماع موسع يضم رئيس الوزراء، والوزراء، والمحافظين، وكبار المسؤولين، وقيادات القوات المسلحة والشرطة، والعُمد والمشايخ، ليتحدث صراحة عن «حسن معاملة المواطنين»، فإن العبارة لا ينبغي أن تمر باعتبارها توجيهًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا جملة تُضاف إلى بيانات الاجتماع ثم تنتهي بانتهاء الخبر، السؤال الأهم هو: لمن تصل الرسالة؟ ومن يعتبر نفسه مخاطبًا بها؟ ومن سيعود إلى مكتبه ليتساءل بجدية: هل المواطن الذي يتعامل مع الجهة التي أديرها يُعامل بالفعل بالطريقة التي يطالب بها الرئيس؟ وقد وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع الثلاثاء 29 سبتمبر إلى حسن معاملة المواطنين أثناء تقديم الخدمات، كما وجّه وزارة الداخلية بترشيد تكاليف تراخيص السيارات.
الرسالة ليست للموظف الصغير وحده
حين نتحدث عن حسن معاملة المواطن، فمن الخطأ اختزال المسألة في موظف يجلس خلف شباك بمصلحة حكومية، الرسالة تبدأ من الوزير والمحافظ ورئيس الجهاز ورئيس المدينة والحي ومدير الإدارة، وتمتد حتى آخر موظف يتعامل مباشرة مع الناس، لأن طريقة معاملة المواطن ليست مجرد ابتسامة أو كلمة طيبة، وإنما منظومة كاملة تبدأ من سهولة الحصول على الخدمة، ووضوح الإجراءات، وسرعة الرد على الشكاوى، وعدم ترك المواطن يدور بين المكاتب بحثًا عن توقيع أو معلومة أو حل لمشكلة كان من المفترض أن تُحسم من المرة الأولى.
إذا كان الرئيس يستمع إلى العمدة فمن يستمع إلى المواطن؟
حرص الرئيس خلال الاجتماع على وجود العمد والمشايخ، وتحدث عن نحو 4500 قرية تضم قرابة نصف الشعب المصري، مؤكدًا أهمية الاستماع إليهم، وهنا تظهر واحدة من أقوى رسائل الاجتماع: إذا كان رئيس الجمهورية يريد أن يسمع صوت العمدة القادم من القرية والنجع، فكيف يمكن لمسؤول محلي أن يغلق بابه أمام المواطن؟ وإذا كان صوت القرية يصل إلى اجتماع بهذا المستوى، فهل يُعقل أن تظل بعض الشكاوى البسيطة حبيسة المكاتب، أو تحتاج إلى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي حتى تتحرك جهة تنفيذية؟ المسألة هنا ليست في حضور العمد فقط، بل في المعنى وراء حضورهم: أن إدارة الدولة لا يمكن أن تتم من المكاتب وحدها، وأن المشكلة التي تبدو صغيرة في تقرير رسمي قد تكون بالنسبة إلى أسرة أو قرية كاملة قضية حياة يومية.
المواطن لا يريد أن يسمع التوجيه بل يريد أن يراه
المواطن العادي ربما لن يقرأ البيان الكامل للاجتماع، ولن يتابع كل ما قيل داخله، لكنه يستطيع أن يعرف خلال دقائق ما إذا كانت رسائله وصلت أم لا، سيعرف عندما يدخل مصلحة حكومية، وعندما يتعامل مع موظف، وعندما يقدم شكوى، وعندما يحتاج إلى ترخيص، وعندما يبلغ عن مشكلة في المياه أو الصرف أو الكهرباء أو الطريق، هناك فقط يظهر الفارق بين توجيه سمعه المسؤول وتوجيه فهمه ونفذه، فالمواطن لا يحتاج إلى مسؤول يعيد نشر كلمات الرئيس على صفحته الرسمية، بل يحتاج إلى أن يجد أثر هذه الكلمات في الخدمة التي يحصل عليها.
لا تجعلوا المواطن يبحث عن الرئيس لحل مشكلة موظف
واحدة من أخطر الظواهر التي تستحق التوقف أمامها هي أن يشعر المواطن أحيانًا بأن مشكلته لن تتحرك إلا إذا تحولت إلى قضية على مواقع التواصل الاجتماعي أو وصلت إلى مسؤول أكبر، الدولة المؤسسية لا ينبغي أن تعمل بهذه الطريقة، مشكلة القرية يجب أن تجد حلها في الوحدة المحلية، ومشكلة الحي يجب أن يحسمها الحي، والخدمة الحكومية يجب أن يحصل عليها المواطن من الجهة المختصة دون أن يحتاج إلى استغاثة أو ضجيج إعلامي، وحين يؤكد الرئيس خلال الاجتماع أهمية ترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة وتأمين الجبهة الداخلية، فإن كفاءة المؤسسات في التعامل مع الناس تصبح جزءًا أساسيًا من بناء هذه الثقة.
«وعي المصريين حائط الصد» والثقة تبدأ من الشارع
قال الرئيس خلال الاجتماع إن «وعي المصريين هو حائط الصد»، وتحدث عن التحديات ومحاولات الإضرار بالدولة وضرورة ترسيخ الثقة في مؤسساتها، لكن الثقة لا تُبنى بالشعارات، ولا يمكن مطالبة المواطن بأن يثق في مؤسسة بينما يواجه داخلها إهمالًا أو تعقيدًا أو تجاهلًا لشكواه، أفضل حماية للوعي هي المعلومة الصادقة، وأفضل مواجهة للشائعة هي الحقيقة السريعة، وأقوى وسيلة لتعزيز الثقة هي أن يرى المواطن مؤسسة تعمل ومسؤولًا يسمع وموظفًا يحترم حقه، وهنا تتقاطع رسالة الوعي مع رسالة حسن معاملة المواطنين، لأن المواطن الذي يشعر بأن مؤسسات الدولة تستمع إليه وتتعامل معه بجدية يصبح أكثر ثقة فيها.
لا نحتاج إلى تقارير جميلة بل نحتاج إلى نتائج
بعد كل اجتماع كبير تبدأ الجهات المختلفة عادة في إصدار البيانات وعرض الإنجازات والأرقام، لكن ما يحتاجه المواطن في النهاية ليس تقريرًا أكثر جمالًا، وإنما نتيجة أكثر وضوحًا، إذا كانت هناك مشكلة فمتى ستُحل؟ وإذا تأخرت فلماذا؟ وإذا أخفق مسؤول فمن يحاسبه؟ وإذا كانت هناك موارد فكيف تُستغل؟ الرئيس أكد خلال الاجتماع أهمية حسن استغلال موارد الدولة، وربط مواجهة التحديات بالعمل المؤسسي والحفاظ على تماسك الدولة، وهنا يصبح معيار المسؤول الناجح ليس عدد الاجتماعات التي عقدها، وإنما عدد المشكلات التي نجح في إنهائها، وسرعة استجابته، ومدى شعور المواطنين بتغير حقيقي على الأرض.
بين مكتب المسؤول وشارع المواطن
المشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب التعليمات، بل المسافة بين التعليمات والتنفيذ، قد تكون الرسالة واضحة في أعلى مستوى، ثم تفقد جزءًا من معناها وهي تهبط عبر درجات الجهاز الإداري حتى تصل إلى المواطن، لذلك فإن التحدي الحقيقي بعد اجتماع اليوم هو ألا تتحول التوجيهات إلى سلسلة جديدة من الاجتماعات والكتب الدورية، بل إلى تغيير في أسلوب الإدارة نفسها، عندما يقول الرئيس «حسن معاملة المواطنين»، فالمطلوب ألا تتحول العبارة إلى لافتة على الحائط، بل إلى قاعدة عمل يعرف المسؤول أنه سيُحاسب على تطبيقها.
لمن تصل الرسالة؟
تصل إلى الوزير الذي يجب أن يعرف ماذا يحدث داخل وزارته، وإلى المحافظ الذي لا ينبغي أن يعرف مشاكل الشوارع من مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى رئيس المدينة والحي الذي يفترض أن يكون بين الناس، وإلى مدير المصلحة الذي يجب أن يراقب أداء موظفيه، وإلى كل موظف يتعامل مع مواطن جاء للحصول على حق أو خدمة، لكن الأهم من وصول الرسالة هو فهمها، والفهم هنا لا يثبت بالتصريحات، وإنما بالسلوك والنتيجة.
الامتحان الحقيقي يبدأ بعد الاجتماع
اجتماع الرئيس انتهى، لكن اختبار المسؤولين بدأ، الاختبار ليس في قدرتهم على ترديد ما قاله الرئيس، ولا في نشر صور الاجتماع، ولا في عقد اجتماع آخر لشرح التوجيهات، الاختبار يبدأ عندما يدخل المواطن غدًا إلى مصلحة حكومية، أو يطرق باب مسؤول، أو يقدم شكوى، أو يطلب خدمة، هناك فقط سنعرف: هل وصلت الرسالة فعلًا؟
حين يقول الرئيس «حسن معاملة المواطنين»، فالأمر لا يحتاج إلى تفسير طويل، الرسالة واضحة، والمخاطَبون بها معروفون، والمواطن ينتظر النتيجة، وما بين وضوح التوجيه وظهور أثره على الأرض تبقى المسؤولية كاملة على من جلسوا في مقاعد التنفيذ.