بأي ذنب قُطعت؟.. أين تذهب أشجار القاهرة بعد إزالتها ولماذا تُقطع رغم خطط التخضير؟

بين أشجار تمتد جذورها في شوارع العاصمة منذ عشرات السنين، وأخرى تستعد الدولة لزراعتها ضمن مشروع جديد لـ«تخضير القاهرة»، يعود ملف الأشجار إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من زاوية تحمل مفارقة واضحة: في الوقت الذي تبحث فيه القاهرة عن مساحات جديدة لتكتسي باللون الأخضر، لا يزال اختفاء أشجار قديمة من بعض الشوارع يثير التساؤلات.
الرئيس عبد الفتاح السيسي وجّه، اليوم السبت 5 سبتمبر 2026، بضرورة تبني مشروع لـ«تخضير القاهرة»، يستهدف تحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، بالتزامن مع جهود إعادة إحياء القاهرة الإسلامية والتاريخية وتطوير بنيتها العمرانية.
لكن التوجيه الجديد يأتي بعد أيام قليلة من أزمة أخرى كان الشجر بطلها، بعدما أثارت إزالة أشجار خلال أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية جدلًا واسعًا، لتتدخل الحكومة وتطلب حصر ما تم قطعه ومعرفة أسباب الإزالة بدلًا من النقل.
فكيف يمكن التوفيق بين مشروعات التشجير ومشاهد إزالة الأشجار؟ ولماذا تُقطع بعض الأشجار أصلًا؟ ومن يملك القرار؟ والأهم: أين تذهب بعد قطعها؟
«تخضير القاهرة».. توجيه رئاسي جديد
خلال اجتماع لمتابعة جهود إعادة إحياء معالم القاهرة الإسلامية والتاريخية، شدد الرئيس السيسي على ضرورة تبني مشروع لـ«تخضير القاهرة»، يقوم على تحويل المساحات التي يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء.
التوجيه يضيف بعدًا بيئيًا إلى عمليات إعادة تشكيل المناطق التاريخية، فلا تقتصر عمليات التطوير على ترميم المباني وتحسين الطرق والمرافق وفتح المسارات السياحية، وإنما تمتد إلى زيادة المساحات الخضراء التي يحتاج إليها سكان مدينة شديدة الكثافة.
ولا يأتي التوجه من فراغ، إذ سبق أن وجه الرئيس في مناسبات سابقة بزيادة المساحات الخضراء خلال تطوير القاهرة التاريخية، باعتبارها متنفسًا للمواطنين وعنصرًا أساسيًا في تحسين جودة الحياة.
قبل أيام.. أزمة أشجار جامعة الدول
قبل التوجيه الرئاسي الجديد بأيام، كان ملف الأشجار حاضرًا بصورة مختلفة تمامًا.
أعمال تطوير شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود في محافظة الجيزة صاحبها قطع وإزالة عدد من الأشجار، وهو ما أثار موجة من الجدل، خاصة مع تداول صور للأعمال عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي 31 أغسطس، تابعت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، الموقف مع محافظ الجيزة، ووجهت بحصر الأشجار التي تم قطعها، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى إزالتها بدلًا من نقلها.
كما شددت على تعويض ما تم قطعه بأعداد مضاعفة من الأشجار، مع اختيار أنواع تتلاءم مع طبيعة المنطقة، وعدم التهاون مع القطع أو التقليم الجائر.
ورغم أن شارع جامعة الدول العربية يقع إداريًا داخل محافظة الجيزة وليس القاهرة، فإن الواقعة أعادت فتح ملف أوسع يتعلق بإدارة الأشجار في القاهرة الكبرى بالتزامن مع مشروعات التطوير المتلاحقة.
لماذا تُقطع الأشجار؟
قطع شجرة لا يعني بالضرورة وجود مخالفة، فهناك حالات تستدعي إزالة الأشجار لأسباب فنية، أبرزها موت الشجرة أو إصابتها، أو وصولها إلى حالة تجعلها معرضة للسقوط بما يمثل خطرًا على المواطنين والممتلكات.
وقد تتداخل مواقع بعض الأشجار أيضًا مع أعمال الطرق والمرافق ومشروعات التطوير، لكن وجود مشروع جديد لا يعني بالضرورة أن القطع هو الخيار الأول، وهو ما ظهر بوضوح في توجيه وزيرة التنمية المحلية والبيئة بشأن أزمة جامعة الدول عندما طلبت معرفة أسباب «الإزالة بدلًا من النقل».
ويكشف ذلك عن وجود خيارات يفترض دراستها قبل الوصول إلى القطع، بداية من الحفاظ على الشجرة في موقعها، ثم دراسة إمكانية نقلها، وصولًا إلى الإزالة عندما تكون هناك ضرورة فنية تستدعي ذلك.
القاهرة تمنع القطع الجائر
محافظة القاهرة لديها بالفعل قرار رسمي ينظم التعامل مع الأشجار.
ففي يوليو 2024، أصدر محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر قرارًا بمنع قطع الأشجار في جميع أحياء العاصمة أو التقليم الجائر لها نهائيًا.
وفي الحالات التي تستدعي نقل الأشجار، اشترط القرار الرجوع إلى لجنة مختصة شكلها المحافظ، على أن تتم عملية النقل تحت إشراف وزارة البيئة.
ويعني ذلك أن السياسة الرسمية المعلنة تقوم على أن الحفاظ على الأشجار هو الأصل، بينما يفترض أن تصبح الإزالة أو النقل إجراءً مرتبطًا بضرورة ومراجعة من الجهات المختصة، وليس قرارًا عشوائيًا.

ملايين الأشجار في مواجهة «الخرسانة»
على الجانب الآخر، تنفذ الدولة منذ سنوات خططًا لزيادة الرقعة الخضراء، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية لزراعة «100 مليون شجرة».
وسبق أن استهدفت خطط المبادرة زراعة نحو 1.83 مليون شجرة في محافظة القاهرة، بالتوازي مع مشروعات تشجير تنفذها المحافظة وهيئة النظافة والتجميل في عدد من المناطق والمحاور.
وفي سبتمبر 2024، دشنت القاهرة مبادرة لزراعة 2400 شجرة مثمرة في مدينة نصر ومحيط المنطقة الحرة للاستثمار، شملت أشجار الزيتون والمانجو والجوافة والبرتقال واليوسفي.
كما استمرت مشروعات التشجير خلال 2026، سواء داخل العاصمة أو على الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى، ليصبح الاتجاه الرسمي المعلن واضحًا في زيادة نصيب المدن من الأشجار والمساحات الخضراء.
هل تعوض الشتلة شجرة عمرها عشرات السنين؟
لكن زيادة عدد الأشجار المزروعة لا تقدم بمفردها صورة كاملة عن حالة الغطاء الأخضر في المدينة.
فالشجرة الناضجة التي استغرقت عقودًا حتى تصل إلى حجمها الحالي تمتلك تاجًا نباتيًا واسعًا يوفر الظل ويسهم في تحسين المشهد العمراني، بينما تحتاج الشتلة الجديدة إلى سنوات من النمو والرعاية حتى تقترب من التأثير نفسه.
ومن هنا، فإن تعويض شجرة كبيرة بأكثر من شتلة قد يحقق التعويض العددي، لكنه لا يعني بالضرورة استعادة الأثر البيئي والعمراني بصورة فورية.
ولهذا يصبح نوع الأشجار الجديدة وموقع زراعتها وبرامج ريها وصيانتها ومتابعة بقائها عوامل لا تقل أهمية عن عدد الشتلات التي يتم الإعلان عن زراعتها.
بعد سقوط الشجرة.. أين تذهب الأخشاب؟
هناك جانب آخر من القضية لا يحظى بالقدر نفسه من الضوء، وهو مصير الأشجار بعد إزالتها.
فالشجرة الكبيرة بعد قطعها تترك جذعًا وأفرعًا وكميات من الأخشاب والمخلفات النباتية. وتعلن أحياء القاهرة بصورة متكررة عن رفع مخلفات تقليم الأشجار بالتنسيق مع هيئة النظافة، لكن البيانات العامة المتاحة لا توضح بصورة تفصيلية مسار الأخشاب الناتجة عن كل عملية إزالة كاملة.
وهنا تظهر مجموعة من الأسئلة المشروعة: أين تُنقل جذوع الأشجار الكبيرة؟ كيف يتم حصرها؟ من يتسلمها؟ وهل يعاد استخدامها أو يجري التصرف فيها بطرق أخرى؟
ولا تعني قلة المعلومات المنشورة أن هذه الأخشاب لا تخضع لإجراءات إدارية، لكنها تكشف حاجة إلى مزيد من الشفافية بشأن دورة التعامل مع الأشجار العامة من لحظة اتخاذ قرار الإزالة وحتى التصرف النهائي في ناتجها.

«كود» لكل شجرة.. هل يكون الحل؟
أحد الحلول التي بدأت الدولة بالفعل استخدام جزء منها يتمثل في «تكويد الأشجار».
فخلال متابعة مشروع تشجير الطريق الدائري، سبق أن وجهت وزيرة التنمية المحلية بتكويد جميع الأشجار التي يتم زراعتها، مع الحفاظ عليها وصيانتها ومتابعتها.
وتوسيع هذا النظام داخل المدن قد يوفر قاعدة بيانات تحدد موقع كل شجرة ونوعها وتاريخ زراعتها وحالتها والجهة المسؤولة عنها.
وفي حالة إزالتها، يمكن تسجيل سبب القرار وما إذا كانت قد نُقلت أو قُطعت، وموقع الأشجار التي زرعت لتعويضها، بل ومصير الأخشاب الناتجة عن الإزالة.
وبذلك يتحول الشجر من عنصر في الشارع يصعب تتبع مصيره إلى أصل عام يمكن مراقبة دورة حياته.
التخضير لا يبدأ من زراعة الجديد فقط
مشروع «تخضير القاهرة» الذي وجه به الرئيس اليوم يمكن أن يمثل تحولًا مهمًا في شكل العاصمة إذا تحولت المساحات التي يتم إخلاؤها بالفعل إلى مناطق خضراء، خصوصًا في المناطق التاريخية والمكتظة عمرانيًا.
لكن نجاح المشروع لن يُقاس فقط بعدد الأشجار الجديدة التي ستزرع، وإنما أيضًا بقدرة المدينة على حماية رصيدها الحالي من الأشجار، ووضع الإزالة في نطاق الضرورة، وتقديم معلومات واضحة عن أسبابها وطرق التعويض عنها.
فالتطوير والتشجير ليسا بالضرورة طريقين متعارضين، ويمكن لمشروعات البنية التحتية أن تراعي الأشجار القائمة، وتنقل ما يمكن نقله، وتعوض ما تستدعي الضرورة إزالته.

بأي ذنب قُطعت؟
التوجيه الرئاسي الجديد يضع القاهرة أمام فرصة لإعادة صياغة علاقتها بالأشجار.
فبدلًا من أن يقتصر النقاش على أرقام الشتلات التي يتم زراعتها سنويًا، يمكن أن يمتد إلى سجل أكثر اكتمالًا يجيب عن عدد الأشجار التي تمت إزالتها، وأسباب ذلك، وما نُقل منها، وكيف تم تعويضه، وأين انتهت الأخشاب الناتجة عن القطع.
فإذا كانت القاهرة تستعد اليوم لمرحلة جديدة عنوانها «التخضير»، فإن حماية الشجرة التي عاشت عشرات السنين لا تقل أهمية عن زراعة شجرة جديدة.








