الصورة الكاملة

 «في انتظار توجيهات الرئيس».. لماذا لا يتحرك المسؤول إلا عندما تأتي التعليمات من أعلى؟

✒️ كتب: محمود أبو السعود

يطرح تكرار التوجيهات الرئاسية في عدد من الملفات التنفيذية والخدمية سؤالًا يتجاوز مضمون هذه التوجيهات نفسها إلى أداء الجهاز التنفيذي لماذا تصل بعض المشكلات إلى رئيس الجمهورية من الأساس؟ ولماذا نرى في أحيان كثيرة اجتماعات عاجلة ولجانًا وتحركات ميدانية فور صدور التكليف، بينما كان الملف موجودًا بالفعل، والمسؤول عنه موجودًا، والجهة المختصة قائمة، والاختصاص محددًا؟

من الطبيعي أن يضع رئيس الجمهورية الرؤية العامة للدولة، وأن يتابع الملفات القومية الكبرى، وأن يتدخل عندما تستدعي الظروف ذلك، لكن عندما تتعلق بعض التوجيهات بتشجير مناطق في العاصمة، أو التأكد من تسليم وحدات عقارية لأصحابها في مواعيدها، أو إزالة عقبة أمام مصنع، أو منع تعدٍ على أرض زراعية، يصبح من المشروع طرح سؤال مختلف، ماذا كان يفعل المسؤول المختص قبل وصول المشكلة إلى قمة هرم الدولة؟

تشجير القاهرة.. لماذا احتاج «الأخضر» إلى دفعة من أعلى؟

أعاد ملف تخضير القاهرة هذا السؤال بقوة إلى الواجهة، بعدما جاءت توجيهات رئاسية في سبتمبر 2026 بتبني مشروع لتخضير العاصمة وتحويل المساحات التي يتم إخلاؤها إلى مناطق خضراء، أعقبها تحرك حكومي لمتابعة التنفيذ والبدء في تشجير الطريق الدائري وعدد من المحاور والطرق الرئيسية.

أهمية التوجيه لا خلاف عليها، خصوصًا في مدينة تعاني كثافة سكانية ومرورية وعمرانية ضخمة، لكن السؤال الذي تطرحه «يونيو» هو، ألم يكن البحث عن مساحات جديدة للتشجير والحفاظ على الرقعة الخضراء من صميم عمل الجهات التنفيذية أصلًا؟ خاصة أن الدولة لديها بالفعل مبادرة «100 مليون شجرة»، فضلًا عن وجود وزارات ومحافظات وأحياء وهيئات للنظافة والتجميل والتخطيط العمراني.

المفارقة إذن ليست في صدور التوجيه، وإنما في أن فكرة يفترض أن تكون جزءًا من العمل اليومي والتخطيط الحضري تحتاج إلى دفع جديد من أعلى حتى تتحول إلى أولوية تنفيذية، فهل تنتظر بعض الأجهزة التوجيه بدلًا من أن تصنع المبادرة؟

الوحدات العقارية.. هل يحتاج تنفيذ العقد إلى تدخل رئاسي؟

الأمر يصبح أكثر وضوحًا في ملف الوحدات العقارية، ففي أغسطس 2026، جاءت توجيهات بتشكيل لجنة لتفقد المشروعات العقارية في المحافظات والتأكد من تسليم الوحدات في مواعيدها، وعدم التأخير، واحترام العقود المبرمة مع المشترين، واستكمال البنية الأساسية ومحاسبة المخالفين.

وهنا يبرز سؤال مباشر، لماذا يحتاج مواطن اشترى وحدة ووقع عقدًا وحدد له موعد للتسليم إلى تدخل يصل إلى رئيس الجمهورية حتى يتم التأكد من حصوله على حقه؟ احترام العقود ومواعيد التسليم ليس سياسة جديدة، وإنما التزام يفترض أن توجد أجهزة تراقبه وآليات تحاسب عند الإخلال به.

إذا تأخر مشروع، فمن المفترض أن تعرف الجهة المختصة قبل المواطن، وإذا خالف مطور التزاماته، فيفترض أن تبدأ المحاسبة دون انتظار تصعيد. وإذا تعطلت المرافق أو البنية الأساسية، فمن المفترض أن يظهر ذلك داخل منظومة المتابعة قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة، وهنا يصبح السؤال الحقيقي، ماذا تفعل كل حلقات الإدارة الموجودة بين المواطن ورئيس الجمهورية؟

الذكاء الاصطناعي والبرمجة.. من المفترض أن يرى المستقبل أولًا؟

أما ملف الذكاء الاصطناعي والبرمجة فيحتاج إلى قدر أكبر من الإنصاف؛ لأن المؤسسات التعليمية تحركت بالفعل وبدأ إدخال هذه المجالات إلى العملية التعليمية، ومن ثم لا يصح القول إن الملف ظل ساكنًا حتى جاءت التوجيهات الرئاسية، لكن النموذج نفسه يفتح بابًا لسؤال أكبر حول قدرة المؤسسات على استشراف المستقبل من تلقاء نفسها.

العالم يتحرك بسرعة هائلة، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف والتعليم والصناعة والاقتصاد، والبرمجة أصبحت واحدة من أدوات المستقبل الأساسية، لذلك فإن وظيفة المؤسسة التعليمية ليست فقط الاستجابة إلى التكليف، وإنما امتلاك جهاز يستطيع أن يسأل باستمرار، ماذا سيحتاج الطالب المصري بعد خمس أو عشر سنوات؟ وما المهارات التي يجب أن نبدأ في تعليمها اليوم قبل أن تصبح ضرورة غدًا؟

المسؤول الناجح هنا ليس فقط من ينفذ توجيهًا بإدخال التكنولوجيا الحديثة، وإنما من يستطيع أن يضع أمام صانع القرار رؤية للمستقبل قبل أن يُطلب منه إعدادها.

المصانع المتعثرة.. لماذا تتكرر التوجيهات وتبقى العقبات؟

وتظهر الإشكالية نفسها في ملف الصناعة، حيث تكررت خلال سنوات التوجيهات الخاصة بحل مشكلات المصانع المتعثرة، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، وتسريع الإجراءات وإعادة المصانع المتوقفة إلى دائرة الإنتاج.

لكن عندما تتكرر المشكلة والتوجيه معًا، يصبح من الضروري البحث عما يحدث بينهما، فإذا كانت عقبة المستثمر ترخيصًا أو تخصيص أرض أو إجراءً إداريًا أو تضاربًا بين جهتين حكوميتين، فلماذا يستمر التعطل حتى يحتاج الأمر إلى تدخل من مستوى أعلى؟

المستثمر لا يفترض أن يعرف الطريق إلى أعلى سلطة في الدولة حتى يحصل على حل لمشكلة إدارية، وإنما يفترض أن يعرف طريقه إلى «شباك» قادر على اتخاذ القرار، وإذا أصبح التصعيد هو الطريق الأسرع للحل، فنحن لم نعد أمام أزمة مستثمر واحد، وإنما أمام خلل في دورة اتخاذ القرار نفسها.

مخالفات البناء.. من سمح بوضع الطوبة الثانية؟

التعديات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة ومخالفات البناء تقدم نموذجًا أكثر وضوحًا، تتوالى الحملات، وتصدر التكليفات المشددة، وتتحرك المعدات لإزالة المباني المخالفة، لكن السؤال الذي يسبق الإزالة هو: كيف اكتمل المبنى أصلًا؟

المبنى المخالف لا يظهر فجأة، ولا يتحول تعدٍ على قطعة أرض إلى عقار متعدد الطوابق خلال دقائق، هناك حي ووحدة محلية ومهندسون ومسؤولون وأجهزة متابعة، وبالتالي، فإن نجاح الإدارة لا يقاس فقط بعدد العقارات التي تمت إزالتها بعد اكتمالها، وإنما بقدرتها على منع المخالفة عند بدايتها.

وبصيغة أكثر مباشرة: بدلًا من الاحتفال بإزالة عشرة طوابق مخالفة، لماذا لا نسأل المسؤول الذي كان موجودًا عندما وُضعت الطوبة الأولى: كيف سمحت بوضع الثانية؟

قوائم انتظار العمليات.. كيف يتحول نجاح المبادرة إلى نظام دائم؟

حتى النماذج التي حققت نجاحًا ملموسًا، مثل مبادرة إنهاء قوائم انتظار العمليات الجراحية، تستحق القراءة من زاوية مختلفة، فقد أثبت التدخل المركزي أن الدولة تستطيع حشد المستشفيات والجهات المختلفة والتعامل مع أعداد كبيرة من الحالات عندما تتوافر الإرادة والمتابعة والآلية الواضحة.

لكن النجاح نفسه يطرح سؤالًا: كيف تتحول تلك القدرة الاستثنائية إلى جزء دائم من النظام الصحي؟ النجاح الحقيقي لأي مبادرة ليس أن تظل «مبادرة» إلى الأبد، وإنما أن تنتقل آلياتها الناجحة إلى المؤسسة، بحيث تصبح قدرتها على اكتشاف قوائم الانتظار والتعامل معها تلقائية، دون الحاجة كل مرة إلى تدخل استثنائي.

الأزمة ليست في توجيهات الرئيس

وهنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية: القضية التي تطرحها «يونيو» ليست انتقاد صدور التوجيهات الرئاسية، ولا القول إن الرئيس لا ينبغي أن يتابع الحكومة، بل إن المتابعة والمحاسبة من قمة السلطة التنفيذية أمر طبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوجيه من أداة لتحديد الأولويات الكبرى إلى شرط ضروري حتى تبدأ بعض الأجهزة في الحركة.

هناك فارق بين مسؤول يعمل ولديه خطة، ثم يأتي توجيه الرئيس ليطورها أو يسرعها أو يغير أولوياتها، ومسؤول ينتظر عبارة «وجّه الرئيس» حتى يعقد أول اجتماع لمناقشة مشكلة كانت موجودة أمامه منذ شهور.

الأول يعمل بمنطق المؤسسة، والثاني يعمل بمنطق انتظار التعليمات.

أين الوزير والمحافظ ورئيس الهيئة؟

الدولة لا تُبنى بوزراء يجيدون تنفيذ التكليفات فقط، وإنما بمسؤولين قادرين على اكتشاف المشكلة واتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته، المحافظ يفترض أن يعرف محافظته قبل أن تصل شكواها إلى القاهرة، ورئيس الحي يفترض أن يرى المخالفة قبل أن تصبح برجًا، ورئيس الهيئة يفترض أن يعرف أن المشروع متعطل قبل أن يشتكي أصحابه، والوزير يفترض أن يمتلك رؤية لما سيحتاجه قطاعه بعد سنوات، وليس فقط قائمة بما طُلب منه تنفيذه اليوم.

وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات الإدارة: الخوف من المبادرة. فالمسؤول الذي يتخذ قرارًا من تلقاء نفسه يتحمل مسؤوليته، أما المسؤول الذي ينفذ تعليمات قادمة من أعلى فيشعر أن القرار أصبح أكثر أمانًا، ومع الوقت يمكن أن تتحول ثقافة «انتظار التكليف» إلى بديل لثقافة «تحمل المسؤولية».

هل ندير المؤسسات بقوة النظام أم بقوة التكليف؟

هذا ربما هو السؤال الأهم. الدولة الحديثة لا يمكن أن تعمل بمنطق أن الموظف ينتظر رئيس الحي، ورئيس الحي ينتظر المحافظ، والمحافظ ينتظر الوزير، والوزير ينتظر رئيس الوزراء، حتى تنتهي سلسلة القرار عند رئيس الجمهورية.

رئيس الجمهورية مسؤول عن الأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد والطاقة والمياه والاستثمار والتعليم والصحة والصناعة ومئات الملفات الكبرى، ومن غير المنطقي أن يصبح في الوقت نفسه المسؤول الذي يجب أن يتدخل حتى تُزرع مساحة فارغة، أو تُحل مشكلة ترخيص مصنع، أو تُسلّم وحدة إلى صاحبها، أو تُمنع مخالفة بناء.

ليس لأن هذه التفاصيل غير مهمة، بل العكس تمامًا؛ لأنها مهمة إلى الدرجة التي تستوجب وجود مسؤول قادر على حلها قبل أن تصل إلى الرئيس.

«يونيو» تسأل: لماذا انتظرتم؟

المعيار الحقيقي لكفاءة المسؤول ليس عدد التوجيهات التي أعلن تنفيذها، وإنما عدد المشكلات التي حلها قبل أن تحتاج إلى توجيه، الوزير الناجح ليس من يعقد اجتماعًا عاجلًا عقب التكليف، وإنما من يمتلك منظومة تكتشف الأزمة قبل وقوعها، والمحافظ الناجح ليس من ينزل إلى الشارع بعد انتشار صورة على مواقع التواصل، وإنما من يعرف المشكلة قبل انتشار الصورة، ورئيس الهيئة الناجح ليس من يقول بعد صدور التوجيه: «سيتم التنفيذ فورًا»، وإنما من يستطيع أن يقول عندما يُسأل عن الملف: «بدأنا بالفعل».

ولهذا، ترى «يونيو» أن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى المسؤول بعد كل تدخل رئاسي لحل مشكلة تنفيذية لا ينبغي أن يكون فقط: متى ستنفذ توجيهات الرئيس؟

بل يجب أن يسبقه سؤال أكثر صعوبة:

لماذا انتظرت التوجيه من الأساس؟

فالدولة القوية ليست الدولة التي يستطيع رئيسها أن يحل كل مشكلة بنفسه، وإنما الدولة التي تعمل مؤسساتها بكفاءة تجعل تدخل الرئيس في التفاصيل استثناءً لا قاعدة، ويصبح دوره في توجيه المسار الكبير للدولة، بينما يعرف كل مسؤول أن اختصاصه ليس مساحة ينتظر داخلها التعليمات، وإنما مسؤولية يُحاسب على ما فعله فيها.. وما كان يجب أن يفعله ولم يفعل.

f
تابع يونيو نيوز على فيسبوك
تابع آخر الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة
تابعنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»