غرفة الأخبار

هل تمهّد إثيوبيا لـ«تسعير النيل»؟.. دعوة مصر لدفع ثمن المياه تثير غضبًا مصريًا

✒️ كتب: هالة فوزي

دخل ملف مياه النيل منعطفًا جديدًا أكثر حساسية، بعدما دعا شيفيراو جارسو، وزير المياه الإثيوبي السابق، حكومة بلاده إلى مطالبة مصر بتعويض مالي مقابل استخدامها مياه النيل الأزرق، متحدثًا عن ضرورة الاعتراف بـ«القيمة الاقتصادية» للمياه وتحقيق ما وصفه بالتعويض العادل وتقاسم المنافع. ورغم أن التصريح لا يمثل حتى الآن قرارًا رسميًا من الحكومة الإثيوبية، فإنه فتح بابًا جديدًا للجدل حول ما إذا كانت أديس أبابا تمهّد للانتقال من أزمة إدارة وتقاسم مياه النيل إلى طرح فكرة «تسعير المياه».

من «مفاتيح النيل» إلى «ثمن المياه»

وتكتسب تصريحات الوزير السابق أهميتها من توقيتها، إذ تأتي بعد سلسلة من المواقف الإثيوبية المتشددة خلال أغسطس بشأن النيل الأزرق. فقد تحدث وزير المياه والطاقة الإثيوبي الحالي هابتامو إيتيفا عن استمرار بلاده في تطوير موارد النهر وإقامة مشروعات وسدود جديدة، كما أثارت تصريحاته بشأن امتلاك إثيوبيا «مفاتيح» أباي والنظر إلى إدارة تدفقاته باعتبارها قرارًا إثيوبيًا اعتراضات مصرية حادة. وبذلك ينتقل الخطاب من الحديث عن بناء السدود وتنظيم التدفقات إلى طرح «القيمة الاقتصادية» للمياه نفسها.

غضب مصري من محاولة «تسعير» النيل

وأثار الطرح الجديد غضبًا في الأوساط المصرية، حيث رفض خبراء ومسؤولون سابقون فكرة مطالبة القاهرة بدفع مقابل لمياه النيل، مؤكدين أن وجود منابع النهر داخل الأراضي الإثيوبية لا يمنح أديس أبابا ملكية المياه العابرة للحدود. واعتبر الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، الطرح «غير مسؤول وعدوانيًا»، محذرًا من محاولة نقل النقاش من قواعد التعاون في إدارة نهر دولي إلى فكرة تسعير المياه وبيعها.

هل تملك دولة المنبع حق بيع المياه؟

بالنسبة للقاهرة، تتجاوز خطورة الفكرة مسألة دفع أموال مقابل المياه؛ إذ إن قبول مبدأ حصول دولة المنبع على مقابل مالي يعني فتح نقاش حول «ملكية» المورد نفسه، وهو ما يتعارض مع الموقف المصري القائم على اعتبار النيل نهرًا دوليًا مشتركًا، تتمتع دول حوضه بحقوق في الانتفاع بمياهه وفق القواعد المنظمة للأنهار الدولية، وليس ملكية منفردة لدولة لمجرد وقوع المنابع داخل أراضيها.

ما بعد سد النهضة.. قواعد جديدة للصراع؟

ويطرح توقيت التصريحات سؤالًا حول اتجاه السياسة الإثيوبية بعد سد النهضة؛ فالأزمة بدأت قبل أكثر من عقد حول بناء السد، ثم انتقلت إلى قواعد الملء والتشغيل والتعامل مع سنوات الجفاف، قبل أن تتحدث أديس أبابا عن مشروعات وسدود إضافية على النيل الأزرق. واليوم يظهر طرح من داخل النخبة الإثيوبية يطالب مصر بتعويض مالي عن المياه، ما يثير التساؤلات حول محاولة إعادة تعريف العلاقة مع دول المصب بعد أن أصبح سد النهضة أمرًا واقعًا.

لا قرار إثيوبي ببيع المياه حتى الآن

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة على اتخاذ الحكومة الإثيوبية قرارًا ببيع المياه لمصر أو مطالبتها رسميًا بسداد ثمن لها، كما أن شيفيراو جارسو وزير سابق وليس عضوًا في الحكومة الحالية. وبالتالي فإن التعامل مع التصريح باعتباره قرارًا إثيوبيًا بفرض «فاتورة مياه» على مصر سيكون غير دقيق، بينما تكمن أهميته في ظهور الفكرة نفسها علنًا على لسان مسؤول سابق تولى حقيبة المياه.

«بالونة اختبار» أم ورقة تفاوض جديدة؟

ويبقى السؤال الذي يستحق المراقبة خلال المرحلة المقبلة: هل ستظل مطالبة مصر بتعويض إثيوبيا عن مياه النيل مجرد رأي لوزير سابق، أم تتحول تدريجيًا إلى جزء من الخطاب الرسمي وورقة تفاوض جديدة؟

فإذا حدث ذلك، فلن نكون أمام فصل جديد من خلاف سد النهضة فقط، وإنما أمام محاولة لإعادة صياغة قواعد الصراع على النيل، من سؤال «من يحق له استخدام المياه؟» إلى «من يملك المياه ومن يدفع ثمنها؟».

 

f
تابع يونيو نيوز على فيسبوك
تابع آخر الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة
تابعنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى