رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
السياسة

محمد البدري: أمن مصر خط أحمر.. ولن تنجر إلى حروب المنطقة وفلسطين قضية مركزية

 شدد الأستاذ الدكتور محمد البدري، السياسي وأستاذ الجغرافيا المتفرغ ورئيس قسم الجغرافيا الأسبق بكلية الآداب في جامعة المنيا، على أن أمن مصر وأمان شعبها يمثلان خطا أحمر لا يجوز المساس به، مؤكدا أن القاهرة، وفق رؤيته، لن تنجر إلى حروب لا تخدم مصالحها أو تهدد استقرارها، بالتزامن مع تمسكها بالقضية الفلسطينية وقضايا الأمة العربية، ودورها السياسي والدبلوماسي في التعامل مع أزمات المنطقة.

وقال الدكتور محمد البدري، في تصريحات خاصة لـ«يونيو نيوز»، إن المرحلة الراهنة تفرض على مصر التعامل مع التطورات المحيطة بها بقدر كبير من الوعي والحسابات الدقيقة، خصوصا في ظل تعدد بؤر التوتر والصراعات في الإقليم، مشيرا إلى أن حماية الدولة المصرية وشعبها ومقدراتها يجب أن تظل في مقدمة أولويات القرار الوطني.

وأوضح أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي والتاريخي، ليست بعيدة عن تداعيات ما يجري في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه، بحسب تقديره، تملك من الخبرة السياسية والأمنية ما يؤهلها للتعامل مع المخاطر دون الاندفاع إلى صراعات عسكرية لا تتوافق مع مصالحها.

محمد البدري: مصر لن تسمح بجرها إلى حروب لا تخدم مصالحها

وأكد البدري أن محاولات دفع مصر وجيشها إلى الدخول في حروب وصراعات لا ترتبط بصورة مباشرة بمصالحها الوطنية لن تحقق أهدافها، معتبرا أن القرار المصري يجب أن ينطلق أولا من حسابات الأمن القومي وحماية الحدود واستقرار المجتمع والحفاظ على قدرة الدولة على مواجهة التحديات الممتدة حولها.

وأضاف أن الحروب لا تبدأ دائما بالنتائج التي يتوقعها أطرافها، وأن دخول أي دولة في صراع عسكري مفتوح يمكن أن يخلق تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية يصعب التحكم في مساراتها لاحقا.

وأشار إلى أن القراءة الجغرافية للمنطقة تكشف حجم التشابك بين الأزمات المختلفة، فمصر تقع في قلب إقليم تتقاطع فيه طرق التجارة والممرات البحرية والحدود البرية ومناطق الصراع، وهو ما يجعل أي اضطراب واسع النطاق قابلا للامتداد إلى ملفات تتعلق بالأمن والطاقة والتجارة وحركة السكان.

ويرى البدري أن هذه المعطيات تجعل الحفاظ على الاستقرار المصري مسألة مرتبطة، في الوقت ذاته، بمحيط إقليمي شديد الحساسية.

أستاذ جغرافيا بجامعة المنيا: الموقع المصري يفرض حسابات مختلفة

ويكتسب حديث البدري عن الموقع الجغرافي أهمية خاصة بالنظر إلى تخصصه الأكاديمي؛ فقد شارك في ندوات ومحاضرات تناولت الموقع الجغرافي لمصر وأهميتها الاستراتيجية، كما تحدث في مناسبات سابقة عن جغرافية سيناء وعلاقتها بالأمن القومي.

وفي إحدى الندوات التي نظمها قسم الجغرافيا بكلية الآداب في جامعة المنيا عام 2017 حول «سد النهضة والأمن القومي المصري»، ظهر اسم الدكتور محمد البدري رئيس قسم الجغرافيا ورئيس الندوة ضمن المشاركين في الفعالية التي ناقشت ارتباط الجغرافيا بالملفات الاستراتيجية المصرية.

كما شارك في 2019 في منتدى لقادة شباب جامعات الصعيد، وتناول في محاضرته دور مصر العربي والأفريقي وموقعها في التفاعلات الاقتصادية الإقليمية والقارية.

وفي دراسة أكاديمية منشورة عبر منصة المجلات العلمية المصرية، يظهر اسم محمد البدري محمد نبيه ضمن قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة المنيا، في بحث يتعلق بالتوزيع الجغرافي لشبكات البنية الأساسية بمدينة المنيا الجديدة.

وتقدم هذه الخلفية الأكاديمية سياقا لفهم تركيزه في تصريحاته على أثر الموقع الجغرافي في تشكيل حسابات الأمن والسياسة والحركة الإقليمية.

فلسطين.. قضية لا تنفصل عن أمن المنطقة

وفي الجانب الآخر من تصريحاته، أكد البدري أن حرص مصر على حماية أمنها القومي لا يعني، بحسب رؤيته، التخلي عن القضية الفلسطينية أو الانسحاب من القضايا العربية، مشددا على أن القاهرة ستظل معنية بما يجري في فلسطين والمنطقة.

وقال إن مصر لن تترك القضية الفلسطينية، وإن موقفها من القضية لا ينبغي النظر إليه باعتباره موقفا طارئا فرضته تطورات سياسية مؤقتة، وإنما باعتباره ملفا يرتبط بتاريخ مصر ودورها الإقليمي وموقعها الجغرافي.

وأضاف أن مصر، في تقديره، ظلت تاريخيا تفتح أبوابها أمام أشقائها العرب في أوقات الأزمات، وأن استمرار الدولة المصرية قوية ومستقرة يمثل شرطا مهما لاستمرار قدرتها على ممارسة أدوارها السياسية والدبلوماسية في المنطقة.

وشدد على أن حماية الدولة المصرية، من وجهة نظره، لا تتناقض مع دعم القضايا العربية، بل إن استقرار الدولة يمنحها قدرة أكبر على التحرك السياسي والإنساني والدبلوماسي.

الموقف المصري الرسمي.. دعم فلسطين ورفض التصعيد

ويتقاطع جزء من هذا الطرح مع مواقف مصرية رسمية معلنة خلال سبتمبر 2026، وإن كان من الضروري التمييز بين رأي الدكتور محمد البدري وبين الموقف الرسمي للدولة المصرية.

ففي 12 سبتمبر، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الإندونيسي برابوو سوبيانتو أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في المنطقة، وشددا على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة تقوم على حل الدولتين، بما يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم.

وفي 16 سبتمبر، أكد الرئيس السيسي، خلال استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أن القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية في المنطقة إلى حين تسويتها بصورة عادلة وشاملة، مشيرا إلى الجهود المصرية لدعم الشعب الفلسطيني والعمل على تحقيق التسوية وفقا لمقررات الشرعية الدولية.

كما أعلنت وزارة الخارجية المصرية في 27 سبتمبر رفضها للتصعيد الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، وجددت دعمها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وبذلك تأتي تصريحات البدري في سياق إقليمي متوتر، لكنه لا يصح تحويلها إلى بيان رسمي للدولة؛ فهي، في الأساس، رؤية سياسية وأكاديمية عبر عنها صاحبها في حديث خاص.

«مصر منارة العرب».. البدري يربط قوة الدولة بدورها الإقليمي

ووصف البدري مصر بأنها «منارة العرب»، مشيرا إلى أن القاهرة، بحكم موقعها وتاريخها وثقلها السياسي، لعبت أدوارا متقدمة في الملفات العربية على مدى عقود.

وأضاف أن مصر لا تنظر إلى قضايا محيطها العربي باعتبارها ملفات بعيدة عنها، وإنما تتعامل معها في ضوء اعتبارات التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، مؤكدا أن القضية الفلسطينية تأتي في مقدمة هذه القضايا.

وقال إن مصر لطالما فتحت أبوابها أمام أشقائها العرب، وإن الدولة المصرية، في تقديره، تمثل أحد المراكز الرئيسية التي تؤثر في التوازنات العربية والإقليمية.

وأضاف أن أي تراجع كبير في قوة الدولة المصرية واستقرارها ستكون له انعكاسات تتجاوز حدودها، نظرا إلى حجم مصر وموقعها ودورها التاريخي في المنطقة.

وهذه العبارة الأخيرة تمثل تحليلا سياسيا للدكتور البدري، وليست نتيجة بحث كمي أو تقديرا صادرا عن مؤسسة رسمية؛ ولذلك جرى نسبها إليه صراحة في الصياغة الصحفية.

الأمن القومي بين الجغرافيا والسياسة

ويرى البدري أن مفهوم الأمن القومي المصري لا ينبغي اختزاله في البعد العسكري وحده، وإنما يرتبط أيضا بالجغرافيا والاقتصاد وحركة التجارة والمياه والطاقة والحدود والعلاقات الإقليمية.

فمصر تطل على البحرين المتوسط والأحمر، وتشرف على قناة السويس التي تمثل ممرا رئيسيا للتجارة العالمية، كما تتصل جغرافيا بليبيا والسودان، وتقع في محيط شرق أوسطي شديد الاضطراب.

ومن ثم، فإن أي توسع كبير في نطاق الصراعات المحيطة يمكن أن يحمل آثارا مباشرة أو غير مباشرة على المصالح المصرية.

وفي هذا السياق، قال البدري إن القرار المصري، بحسب تقديره، يجب أن يوازن بين مسؤوليات مصر تجاه محيطها العربي والإقليمي وبين ضرورة حماية أمنها ومقدراتها، مؤكدا أن الانخراط في الحروب ليس الوسيلة الوحيدة لممارسة الدور الإقليمي.

الدبلوماسية بدلا من الانجرار إلى الصراع

وأكد البدري أن التعامل مع الأزمات الإقليمية يمكن أن يتم عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية، مشيرا إلى أن مصر تستطيع أن تمارس تأثيرها من خلال الاتصالات والوساطة والتحرك الدولي ودعم التسويات السياسية، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية عندما تقتضي الظروف ذلك.

ويتوافق هذا الجانب مع ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية في 10 سبتمبر، عندما استعرض وزير الخارجية بدر عبد العاطي التحرك المصري تجاه تطورات فلسطين وإيران ولبنان والسودان وسوريا وليبيا والأمن المائي، مؤكدا الجهود المصرية لاحتواء الأزمات ودعم الأمن والاستقرار الإقليميين.

وتظهر هذه السياسة أيضا في الموقف المصري المعلن تجاه القضية الفلسطينية، حيث تجمع البيانات الرسمية بين دعم الحقوق الفلسطينية، والدعوة إلى التسوية السياسية، ورفض التهجير، والتأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية.

لماذا يربط البدري بين انهيار مصر وانهيار العروبة؟

وعند حديثه عن مستقبل الدور المصري، شدد البدري على أن مصر، من وجهة نظره، تمثل ركنا رئيسيا في النظام العربي، وأن استقرارها لا ينعكس على الداخل المصري فقط.

وقال إن «مصر إذا انهارت انهارت العروبة بأكملها»، في تعبير سياسي يعكس تقديره لحجم الدور المصري في المنطقة، ويربط بين قوة الدولة المصرية واستمرار قدرتها على أداء أدوارها العربية.

ويستند هذا التصور، من الناحية التحليلية، إلى عناصر عديدة مرتبطة بحجم الدولة وموقعها الجغرافي وتاريخها السياسي وصلاتها بالدول العربية، إلا أن صياغة «انهيار العروبة» تظل تعبيرا تقييميا للمتحدث وليست حقيقة يمكن تقديمها للقارئ باعتبارها نتيجة مثبتة.

تصريحات البدري في ضوء تطورات 27 سبتمبر

وتكتسب تصريحات البدري أهمية خبرية إضافية بسبب التطورات الفلسطينية التي شهدها الأحد 27 سبتمبر 2026؛ إذ أعلنت مصر في اليوم نفسه إدانتها للتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، وحذرت من تداعيات الإجراءات التصعيدية على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

وأكدت القاهرة في بيانها ضرورة وقف الإجراءات الأحادية والتصعيدية، واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس، وجددت دعمها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وبذلك يأتي حديث البدري عن عدم ترك القضية الفلسطينية في توقيت تتواصل فيه التحركات المصرية المعلنة بشأن الملف الفلسطيني، فيما تظل مواقفه الشخصية منفصلة عن البيانات الرسمية للدولة.

أستاذ جامعة المنيا: استقرار مصر شرط لاستمرار دورها

واختتم الدكتور محمد البدري حديثه بالتأكيد على أن حماية الأمن المصري لا تعني الابتعاد عن قضايا المنطقة، كما أن دعم القضايا العربية لا يعني، بالضرورة، الانخراط في كل مواجهة عسكرية تدور في الإقليم.

وأوضح أن مصر، بحسب رؤيته، تحتاج إلى الحفاظ على قوتها واستقرارها وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل، حتى تظل قادرة على القيام بأدوارها السياسية والدبلوماسية تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وشدد على أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى قراءة هادئة للتطورات، وإلى التمييز بين الموقف المبدئي من القضايا العربية وبين القرارات المتعلقة بالتدخل العسكري، مؤكدا أن أمن مصر وشعبها، في تقديره، يظل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية والتطورات المتسارعة في الأراضي الفلسطينية، يبقى الموقف المصري المعلن قائما على مسارين متوازيين: الحفاظ على الأمن والاستقرار المصريين، والاستمرار في دعم التسوية السياسية للقضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة؛ وهي ثوابت ظهرت بوضوح في بيانات وتحركات مصرية رسمية خلال سبتمبر الجاري، بينما تقدم تصريحات الدكتور محمد البدري قراءة سياسية وأكاديمية لهذه المعادلة من زاوية مرتبطة بالجغرافيا والموقع والدور الإقليمي لمصر.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>
دكتور يونيو - انضم لأكبر محرك بحث طبي عربي دوت ميديا - طور موقعك مجانًا