السياسية

غزة بعد الهدنة.. لماذا تبدأ المعركة السياسية الأصعب الآن؟

لم تعد معركة غزة مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار، بعدما انتقل الملف تدريجيًا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بما سيأتي بعد توقف القتال: من يدير القطاع؟ كيف يتم تثبيت التهدئة؟ وماذا عن إعادة الإعمار؟ وكيف يمكن منع عودة المواجهات؟

وقف إطلاق النار، مهما كان مهمًا، لا يعني انتهاء الأزمة. فالهدوء يحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية تضمن استمراره، وإلى آليات واضحة للتعامل مع الملفات العالقة.

وتأتي في مقدمة هذه الملفات قضية إدارة قطاع غزة، ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي، ووضع الفصائل الفلسطينية، وإعادة الإعمار.

وتتحرك مصر في قلب هذه الملفات، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف ودورها التاريخي في الوساطة. كما ترتبط القضية بالنسبة إلى القاهرة بأمن الحدود ورفض تهجير الفلسطينيين والتمسك بحل سياسي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية.

ومن أكثر القضايا حساسية مستقبل السلاح داخل القطاع، إذ تربط إسرائيل جزءًا من رؤيتها المستقبلية بنزع سلاح الفصائل، بينما تظل قضية مستقبل الحكم الفلسطيني وترتيبات الأمن الداخلي محل خلافات كبيرة.

أما السؤال الأصعب فهو: من يدير غزة بعد الحرب؟

هناك سيناريوهات متعددة مطروحة، من بينها إدارة فلسطينية أو ترتيبات انتقالية أو صيغة تشارك فيها أطراف عربية ودولية. لكن أي صيغة تحتاج إلى شرعية فلسطينية وقدرة على إدارة الخدمات وموارد مالية وترتيبات أمنية ودعم إقليمي ودولي.

إعادة الإعمار بدورها ليست ملفًا اقتصاديًا فقط. فحجم الدمار يجعل العملية مشروعًا ضخمًا يحتاج إلى سنوات، لكنه يحتاج أيضًا إلى بيئة أمنية مستقرة وآلية واضحة لإدخال مواد البناء وإدارة المساعدات وضمان وصول الأموال إلى مشروعات الإعمار.

بالنسبة لمصر، لا يمكن فصل ملف غزة عن أمن سيناء. أي فوضى طويلة الأمد على الحدود تمثل تحديًا أمنيًا، بينما استمرار الحرب أو دفع الفلسطينيين نحو النزوح الجماعي يمثل خطرًا سياسيًا واستراتيجيًا.

ولهذا فإن القاهرة تركز على رفض التهجير ودعم إقامة الدولة الفلسطينية باعتبارها أساسًا لأي حل دائم.

والمرحلة المقبلة ستكون شديدة الحساسية؛ فإذا لم تنجح ترتيبات الأمن يمكن أن تعود المواجهات، وإذا تأخرت إعادة الإعمار يمكن أن تتفاقم الأزمة الإنسانية، وإذا لم يوجد مسار سياسي واضح فقد يتحول وقف إطلاق النار إلى مجرد استراحة بين جولات جديدة.

ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد الأيام التي يستمر فيها الهدوء، وإنما بقدرتها على منع عودة الحرب وبناء مسار سياسي قابل للاستمرار.

وفي النهاية، تحتاج غزة إلى أكثر من هدنة. تحتاج إلى ترتيبات سياسية وأمنية وإعمارية، وإلى أفق واضح للقضية الفلسطينية.

ومصر، بحكم موقعها ودورها، ستظل في قلب هذه المعادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى