مساحة رأي

«الأرقام لا تحكي القصة كاملة».. حقيقة مكافآت رئيس جامعة المنيا

✍️ كتب: محمود أبو السعود

ليس كل رقم كبير شبهة، وليس كل ما يُصرف باسم مسؤول يدخل بالضرورة إلى جيبه، وفي الجدل المثار مؤخرًا حول الدكتور عصام الدين صادق فرحات، رئيس جامعة المنيا، تبدو هذه القاعدة أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ بعدما تحولت أرقام إجمالية للصرف خلال عام كامل إلى مادة للاتهام، بينما تكشف التفاصيل أن جانبًا منها يرتبط ببدلات سفر وإقامة وانتقالات ومهام رسمية وتسويات مالية، ولا يمثل دخلًا شخصيًا للرجل من الأساس، الدفاع عن رئيس جامعة المنيا هنا لا يعني منحه حصانة من السؤال أو الرقابة، فالمال العام لا يعرف المجاملة، لكنه يعني في المقابل ألا نصنع إدانة من رقم قبل تفكيكه، وألا نضع الرواتب والمكافآت القانونية ومصروفات المهام الرسمية في سلة واحدة ثم نقدم حاصل جمعها باعتباره ما حصل عليه رئيس الجامعة لنفسه.

فالإنصاف يقتضي أن نعرف أولًا ماذا دخل بالفعل إلى ذمته المالية، وماذا صُرف بحكم وظيفته، قبل أن نصدر حكمًا على الرجل. ومن هنا، فإن القضية لا تحتاج إلى دفاع عاطفي عن الدكتور عصام فرحات بقدر ما تحتاج إلى إعادة وضع الحقائق في مكانها الصحيح؛ لأن من حق الرأي العام أن يسأل عن كل جنيه، ومن حق رئيس الجامعة في الوقت نفسه ألا يُحاسب إلا على ما حصل عليه فعلًا، وأن تكون المستندات واللوائح والقانون هي الفيصل، لا الانطباع الذي يصنعه رقم كبير حين يُنتزع من سياقه.

الرقم المتداول ليس صافي دخل فرحات

أولى النقاط التي ينبغي تصحيحها في هذا الملف هي طبيعة المبالغ نفسها، فبحسب توضيحات رئيس جامعة المنيا، فإن الأرقام المشار إليها تمثل إجمالي ما تم صرفه خلال عام كامل، ولا تمثل صافي دخله الشخصي السنوي، ويشمل هذا الإجمالي كامل الرواتب والمكافآت المستحقة قانونًا، لكنه يتضمن كذلك مبالغ صُرفت كبدلات سفر وإقامة وانتقالات عن مهام رسمية مرتبطة بأعمال الجامعة، وفقًا للوائح والقواعد المنظمة للصرف.

والفارق هنا جوهري؛ لأن هناك فرقًا واضحًا بين مكافأة يحصل عليها المسؤول وتصبح جزءًا من دخله، وبين مبلغ يُصرف لتغطية نفقات سفر أو إقامة أو انتقال مرتبطة بتكليف رسمي يؤديه لصالح المؤسسة التي يرأسها. لذلك، فإن جمع كل هذه البنود داخل رقم واحد ثم التعامل معه باعتباره «دخل رئيس الجامعة» لا يقدم الصورة كاملة، والأدق هو فصل صافي ما حصل عليه الرجل لنفسه عن الأموال المرتبطة بأداء مهام وظيفته.

«صُرفت واستُردت».. ليست اعترافًا بمخالفة

ربما كانت عبارة «مبالغ تم صرفها واستردادها» من أكثر العبارات التي صنعت التباسًا في القضية، لأنها قد توحي للقارئ بأن رئيس الجامعة حصل على أموال دون وجه حق، ثم اكتُشفت المخالفة وأُجبر على ردها، لكن هذا، وفق التوضيح الذي قدمه الدكتور عصام فرحات، لم يحدث إطلاقًا؛ إذ أوضح أن المقصود مبالغ يتم صرفها من الحساب الخاص في إطار أداء مهام رسمية، ثم تجري تسويتها واسترداد ما تم صرفه وفق الإجراءات والقواعد المالية والقانونية المنظمة لذلك.

وبالتالي، فنحن أمام فارق واضح بين أموال صُرفت لمسؤول دون وجه حق ثم أُعيدت بسبب اكتشاف مخالفة، وبين مصروفات مرتبطة بمهمة رسمية تدخل بطبيعتها في دورة التسويات المالية والمحاسبية، وإذا كانت الحالة الثانية هي التي حدثت بالفعل، فإن تقديمها للرأي العام بما يوحي بالحالة الأولى يغير معنى الواقعة بالكامل.

أين المخالفة إذا كان الصرف وفق القانون؟

هنا نصل إلى جوهر القضية؛ فالجدل لا ينبغي أن يدور حول ما إذا كان الرقم كبيرًا أو صغيرًا، وإنما حول مشروعية هذا الرقم، هل توجد مكافأة حصل عليها رئيس الجامعة دون قرار يسمح بها؟ هل حصل على مبلغ لا يستحقه؟ هل جرى تجاوز اللوائح؟ هل ثبتت ازدواجية في الصرف؟ هل حصل على أموال ثم أُلزم بردها نتيجة مخالفة؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد وجود مخالفة من عدمه، أما مجرد القول إن إجمالي المبالغ كبير فلا يكفي وحده لإدانة مسؤول.

وإذا كان هناك اعتراض على قيمة المكافآت التي يسمح بها النظام، فمن المشروع مناقشة النظام نفسه والمطالبة بمراجعته، أما إذا كان المسؤول قد حصل على مستحقات أجازتها القواعد المنظمة، فهناك فارق بين انتقاد هذه القواعد وبين اتهام المستفيد منها بمخالفة لم تثبت، فالمساءلة القانونية تبحث عن مخالفة محددة، وليس عن رقم يثير الاستغراب فقط.

لا جمع بين المناصب ولا مستحقات مزدوجة

ومن بين النقاط التي أثيرت كذلك الحديث عن جمع الدكتور عصام فرحات بين أكثر من منصب داخل الجامعة، وبالتالي احتمال حصوله على مستحقات مالية متعددة، إلا أن رئيس الجامعة نفى ذلك، مؤكدًا أنه لا يتولى أكثر من منصب داخل جامعة المنيا، أما قيامه بالإشراف على مهام نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، فجاء بصورة مؤقتة بعد خلو المنصب، إلى حين استكمال إجراءات تعيين نائب جديد، وقد تم بالفعل الترشيح لشغل المنصب وتنتظر الجامعة صدور قرار التعيين.

والأهم أن فرحات يؤكد وجود مبدأ قانوني واضح يمنع تكرار صرف المستحقات أو الجمع بين مستحقات لا يجوز الجمع بينها، وأنه بصفته رئيسًا للجامعة لا يتقاضى من داخلها أي مستحقات بخلاف المقررة قانونًا لرئيس الجامعة، وبالتالي، فإن مجرد تكليفه بالإشراف المؤقت على قطاع لا يعني تلقائيًا أنه يحصل على مقابل مالي إضافي عنه، وإذا كان هناك من يقول بوجود ازدواجية في الصرف فإن الأمر يحتاج إلى مستند يثبت حدوث الصرف المزدوج بالفعل.

مليار جنيه موارد.. رقم آخر يستحق أن يُذكر

وعندما نناقش الإدارة المالية لجامعة المنيا، يصبح من غير المنصف أن نتوقف فقط أمام ما خرج من حساباتها ونتجاهل ما دخل إليها، فبحسب رئيس الجامعة، تجاوزت موارد جامعة المنيا حاجز المليار جنيه، بزيادة تقترب من خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل أربعة أعوام، واللافت أن الدكتور عصام فرحات لا ينسب هذه القفزة إلى نفسه، وإنما يؤكد أنها نتاج جهود متكاملة ومستمرة من جميع منسوبي الجامعة في مجالات التعليم والبحث العلمي والإنتاج والخدمات واستثمار الأصول، وقد انعكست زيادة الموارد، وفق توضيحه، على قدرة الجامعة على دعم وتطوير بنيتها التحتية وتمويل مشروعاتها المختلفة.

وهذا الرقم لا يمكن استخدامه لتبرير أي مخالفة مالية إذا ثبتت، لكنه بالتأكيد جزء من الصورة عندما يكون النقاش متعلقًا بكفاءة الإدارة المالية للجامعة، فإذا كنا سنفتح دفتر المصروفات، فمن الطبيعي أن نفتح معه دفتر الموارد، خاصة عندما نتحدث عن زيادة بهذا الحجم خلال فترة زمنية محدودة.

الجامعة الأهلية ليست مصدر الزيادة

وفي المقابل، صحح رئيس الجامعة نقطة أخرى تتعلق بمصدر القفزة في الموارد، مؤكدًا أن جامعة المنيا لم تتلق حتى الآن أي موارد من جامعة المنيا الأهلية لدعم موازنتها، ومن ثم فإن القول بأن الموارد التي تجاوزت المليار جنيه جاءت نتيجة أموال الجامعة الأهلية لا يتفق، وفق توضيح فرحات، مع الواقع المالي للجامعة.

وبحسب رئيس الجامعة، فإن نمو الموارد جاء نتيجة أنشطة الجامعة الحكومية نفسها وجهود قطاعاتها في التعليم والبحث العلمي والإنتاج والخدمات واستثمار الأصول، وهذه نقطة قابلة للحسم بالأرقام والمستندات بعيدًا عن الاجتهادات؛ فإذا لم تدخل موارد من الجامعة الأهلية إلى موازنة الجامعة الحكومية، فلا يصح وضعها ضمن أسباب الزيادة.

هل تحولت المستشفيات إلى «استثمارية»؟ رئيس الجامعة ينفي

ومن بين التفسيرات التي طُرحت لزيادة موارد الجامعة القول إن جانبًا كبيرًا من مستشفياتها الجامعية تحول إلى مستشفيات استثمارية، وهو ما ينفيه الدكتور عصام فرحات بصورة قاطعة، فرئيس الجامعة يؤكد أن جامعة المنيا لا تمتلك أي مستشفى استثماري، وأن ما حدث خلال السنوات الأخيرة يسير في اتجاه مختلف، إذ شهدت المستشفيات الجامعية توسعًا كبيرًا في طاقتها الاستيعابية.

وبحسب الأرقام التي قدمها فرحات، ارتفع عدد الأسرة من نحو ألف سرير قبل أربعة أعوام إلى أكثر من ألفي سرير حاليًا، مع استمرار المستشفيات في أداء أدوارها التعليمية والبحثية والخدمية، واستقبال أكثر من ثلاثة آلاف متردد يوميًا، وبالتالي، فإن وصف هذه المستشفيات بأنها تحولت إلى منشآت استثمارية يحتاج إلى دليل واضح، خصوصًا أمام نفي رئيس الجامعة ووجود توسع كبير في الطاقة الاستيعابية للخدمة الطبية.

والمكافآت لم تكن لرئيس الجامعة وحده

ومن المهم كذلك عند قراءة السياسة المالية داخل جامعة المنيا ألا يبدو الأمر وكأن المكافآت كانت بابًا مفتوحًا لرئيس الجامعة وحده، فخلال الفترة الماضية شهدت الجامعة قرارات بصرف مكافآت لأعضاء هيئة التدريس والعاملين وقطاعات المستشفيات الجامعية، وامتدت بعض القرارات إلى العاملين بنظام الأجر اليومي، إلى جانب دعم الباحثين من خلال مكافآت النشر الدولي، واتخاذ خطوات لتحسين المزايا التأمينية لأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم والعاملين.

وهذا لا يعني أن صرف مكافآت للآخرين يبرر تلقائيًا أي مبلغ يحصل عليه رئيس الجامعة، لكنه يضع الملف في سياقه الصحيح باعتباره جزءًا من منظومة مالية أوسع داخل المؤسسة، وليس حالة منفردة تخص شخصًا واحدًا، كما أن مناقشة هذه المنظومة يجب أن تفرق بين الاعتراض على قواعد المكافآت نفسها وبين وجود مخالفة في تطبيقها.

النقد حق.. لكن الاتهام يحتاج إلى دليل

لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن الدكتور عصام فرحات إلى محاولة لمنع النقد، كما لا ينبغي أن يتحول النقد إلى إدانة بلا مستند، من حق الصحافة أن تسأل، ومن حق الرأي العام أن يعرف قيمة ما يحصل عليه رئيس جامعة حكومية، ومن حق الجهات الرقابية أن تراجع كل بند من بنود الصرف، لكن هناك فارقًا بين السؤال والاتهام.

إذا كانت هناك مخالفة، فلتُحدد بوضوح: ما المبلغ؟ وما قرار الصرف؟ وما وجه المخالفة؟ وما النص القانوني الذي جرى تجاوزه؟ أما وضع رقم إجمالي أمام اسم مسؤول وترك الانطباع بأنه يمثل الأموال التي حصل عليها لنفسه، رغم احتوائه على مصروفات مرتبطة بمهام رسمية وتسويات مالية، فلا يكفي وحده لإثبات وجود مخالفة.

الشفافية الكاملة هي أقوى دفاع

ولعل أفضل ما يمكن أن يحدث الآن ليس استمرار تبادل الاتهامات والردود، وإنما نشر كشف تفصيلي يفصل جميع مكونات الرقم محل الجدل: كم بلغ الراتب؟ وكم بلغت المكافآت؟ وما السند القانوني لها؟ وكم بلغت بدلات السفر والإقامة والانتقالات؟ وما المبالغ التي ارتبطت بمهام رسمية؟ وكم تمت تسويته أو استرداده؟

عندها لن يحتاج رئيس الجامعة إلى دفاع من أحد، ولن يحتاج منتقدوه إلى بناء استنتاجات على رقم إجمالي؛ لأن المستند نفسه سيكون أمام الجميع، والشفافية هنا ليست تنازلًا من المسؤول، وإنما أفضل وسيلة لحماية حق المجتمع في الرقابة، وفي الوقت نفسه حماية المسؤول من تحميله أموالًا لم تدخل أصلًا ضمن دخله الشخصي.

حاسبوا الرجل.. ولكن على ما حصل عليه فعلًا

في النهاية، الدكتور عصام فرحات مسؤول عام، ومن الطبيعي أن يخضع للمحاسبة والسؤال عن الأموال التي يحصل عليها بحكم منصبه، لكن العدالة تقتضي أن تكون المحاسبة على الحقيقة كاملة، فإذا ثبت أنه حصل على أموال دون وجه حق فليُحاسب، وإذا ثبت وجود ازدواجية في المستحقات فليُحاسب، وإذا ثبت أن مكافأة ما صُرفت دون سند قانوني فليُحاسب.

أما إذا كان إجمالي الرقم المتداول يضم، إلى جانب مستحقاته القانونية، مصروفات سفر وإقامة وانتقالات ومهام رسمية ومبالغ جرى تسويتها ماليًا، فلا يجوز تقديم حاصل جمعها باعتباره ببساطة «ما حصل عليه رئيس جامعة المنيا»، فليس المطلوب تبرئة الرجل قبل فحص المستندات، كما أنه ليس من العدل إدانته قبل قراءتها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى