«رقعة الشطرنج».. يحيى خيرالله يكشف حسابات الصين في الأزمة الكورية
من بيونغ يانغ إلى بكين وموسكو وواشنطن.. شبه الجزيرة الكورية في قلب صراع المصالح الكبرى

رئيس «الصداقة المصرية الكورية»: بكين تريد «استقرارًا لا حربًا».. ولا تريد تمركز أمريكا على حدودها
ماذا لو انتهت الأزمة النووية؟.. الأنظار الأمريكية ستتجه مباشرة إلى تايوان
الصين لا تريد كوريا نووية لأمنها القومي.. وفي الوقت نفسه لا تريد تركيز واشنطن الكامل على بحر الصين الجنوبي
«مصائب قوم عند قوم فوائد».. لماذا يرى خيرالله أن بكين تتعامل مع الملف بمنطق «إدارة الأزمة»؟
في الحلقات السابقة كانت القنبلة في قلب المشهد، والصواريخ فوق الطاولة، والمناورات العسكرية ترفع درجة الحرارة في شبه الجزيرة الكورية، لكن خلف كل ذلك تدور معركة أخرى لا تُطلق فيها رصاصة واحدة، ولا تحتاج إلى منصة صواريخ، معركة تتحرك فيها الدول كما تتحرك القطع فوق رقعة شطرنج، خطوة من واشنطن تقابلها أخرى من بكين، وتحرك في شبه الجزيرة الكورية تمتد ارتداداته إلى تايوان وبحر الصين الجنوبي، بينما تراقب موسكو المشهد من موقعها في معادلة القوى الكبرى.
هنا لم تعد القضية مجرد سؤال عن كوريا الشمالية وسلاحها النووي، بل عن اللعبة الأكبر التي تحيط بها، ماذا تريد الصين فعلًا؟ هل تريد إنهاء الأزمة النووية الكورية بصورة نهائية؟ أم أن بقاء الأزمة تحت السيطرة، دون انفجار ودون تسوية كاملة، قد يخدم جانبًا من حساباتها الاستراتيجية؟ وماذا سيحدث إذا وصلت بيونغ يانغ وواشنطن إلى اتفاق سلام ينهي عقودًا من التوتر؟
السؤال يصبح أكثر حساسية عندما يظهر اسم تايوان، فإذا انتهت واحدة من أخطر أزمات شرق آسيا، فأين ستتجه القوة والاهتمام الأمريكيان بعدها؟ وهل يصبح ملف تايوان وبحر الصين الجنوبي أكثر حضورًا في المواجهة بين واشنطن وبكين؟ وهل يمكن أن يكون التوتر الكوري، رغم مخاطره، جزءًا من شبكة أوسع من المصالح التي تجعل حل الأزمة أكثر تعقيدًا مما يبدو؟
في الحلقة الرابعة من الحوار الخاص لـ«يونيو نيوز» مع الدكتور يحيى خيرالله، رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية ورئيس مجلس التعاون العربي الكوري، نترك هذه المرة أصوات الصواريخ والمناورات جانبًا، وندخل إلى حسابات السياسة والمصالح، حيث لا توجد خطوة مجانية، ولا يتحرك لاعب كبير دون أن ينظر إلى بقية الرقعة.
خيرالله يطرح قراءته للموقف الصيني بوضوح، فبكين، من وجهة نظره، لا تريد التصعيد ولا الحرب، وتحتاج إلى الاستقرار لمواصلة مسيرتها الاقتصادية، كما أن امتلاك دولة مجاورة للسلاح النووي لا يمثل السيناريو الأفضل لأمنها القومي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تمركزًا أمريكيًا على حدودها أو تركيزًا كاملًا من واشنطن على تايوان وبحر الصين الجنوبي.
ومن هنا يضع خيرالله العبارة التي تصلح مفتاحًا لفهم الحلقة بأكملها: «تلك المنطقة مثل رقعة الشطرنج تحتاج إلى مهارة في أي تحرك»، معتبرًا أن من يجيد اللعبة تكون له الغلبة، ولكن ليس بالضرورة «الانتصار الكامل».
إنها حلقة تنتقل فيها الأزمة من حدود بيونغ يانغ إلى خرائط النفوذ الكبرى، ومن سؤال «ماذا تريد كوريا الشمالية؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا تريد الصين؟ وماذا تريد الولايات المتحدة؟ وأين تقف روسيا؟
والآن نفتح رقعة الشطرنج.
الحديث عن القوة العسكرية يفتح شهيتنا، لكن نعود إلى الملف الشائك في المنطقة، البعض يرى أن الصين نفسها لا ترغب في حل نهائي للأزمة الكورية.. ما تعليقكم؟
لا شك أن الصين قوة لا يستهان بها عالميًا، وسواء رغبت الصين أو لم ترغب، فكوريا الديمقراطية دولة مستقلة لها سيادتها، وقرارها يتطابق مع مصالحها هي أولًا، ولا ننسى أن «مصائب قوم عند قوم فوائد»، وربما يكون في سؤالك جزء كبير من الواقعية.
أولًا، من مصلحة أي دولة ألا يمتلك جيرانها السلاح النووي حفاظًا على أمنها القومي.
ثانيًا، لو تم حل الأزمة النووية بين كوريا الديمقراطية وأمريكا بشكل نهائي وتم توقيع معاهدة سلام، فأول شيء سيحدث هو إعادة تموضع للقوات الأمريكية في المنطقة، وستتجه أنظار أمريكا مباشرة إلى الملف الأخطر بالنسبة للصين، وهو ملف تايوان.
ومن هنا تنظر الصين إلى الأزمة الكورية بمنطق «إدارة الأزمة وليس حل الأزمة»، لأن وجود توتر، ولو محدودًا، في شبه الجزيرة الكورية يجعل أمريكا مشغولة به، ويمنع تركيزها الكامل على بحر الصين الجنوبي وتايوان.
لكن هذا لا يعني أن الصين مع تصعيد الأزمة، لا، الصين تريد «استقرارًا لا حربًا» لإكمال مسيرتها الاقتصادية، كما أنها لا تريد كوريا نووية لأمنها القومي، ولكنها أيضًا لا تريد تمركز أمريكا على حدودها.
تلك المنطقة مثل رقعة الشطرنج، تحتاج إلى مهارة في أي تحرك، ومن يجيد اللعبة سيكون له الغلبة وليس الانتصار الكامل.
والخلاصة أن الأزمة الكورية تُدار بحنكة وذكاء من قبل الرئيس كيم جونغ وون، ومن خلفه جيش وشعب يمثلان القوة الضاربة.
هل تعني أن استمرار الأزمة الكورية، ولو في حدود معينة، قد يخدم الصين استراتيجيًا؟
نعم، وهذا هو المقصود بفكرة «إدارة الأزمة وليس حل الأزمة»، فوجود مستوى محدود من التوتر في شبه الجزيرة الكورية يُبقي أمريكا منشغلة بهذا الملف، ويمنعها من تركيز كامل قوتها واهتمامها على ملفات أخرى شديدة الحساسية بالنسبة للصين، وفي مقدمتها تايوان وبحر الصين الجنوبي.
لكن علينا أن نفرق بين إدارة الأزمة والرغبة في إشعالها، فالصين لا تريد حربًا ولا تريد تصعيدًا مفتوحًا، لأنها تريد الاستقرار حتى تستكمل مسيرتها الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، لا تريد الصين دولة نووية على حدودها لأسباب تتعلق بأمنها القومي، لكنها أيضًا لا تريد أن يؤدي حل الأزمة إلى تمركز أمريكي أكبر بالقرب من حدودها أو إلى انتقال الاهتمام الأمريكي بالكامل نحو تايوان.
إذن نحن أمام معادلة تبدو متناقضة، الصين لا تريد التصعيد، لكنها في الوقت نفسه قد لا يكون الحل النهائي والسريع للأزمة هو السيناريو الأفضل لها؟
المعادلة بالفعل شديدة التعقيد، ولهذا قلت إن تلك المنطقة مثل رقعة الشطرنج، فكل خطوة لها حساباتها، وكل تحرك لطرف من الأطراف يترتب عليه تحرك أو حساب جديد لدى الطرف الآخر.
الصين تريد الاستقرار ولا تريد الحرب، وتريد الحفاظ على أمنها القومي، وفي الوقت نفسه تراقب الوجود الأمريكي في المنطقة، وما يمكن أن يحدث لهذا الوجود إذا انتهت الأزمة الكورية بشكل نهائي.
لذلك لا يمكن النظر إلى المسألة من زاوية واحدة، لأننا أمام تداخل بين الملف الكوري والوجود الأمريكي وتايوان وبحر الصين الجنوبي، وكلها ملفات تتحرك داخل رقعة واحدة.
ولماذا تحتل تايوان هذه المساحة في حسابات الأزمة الكورية رغم أنها تبدو للوهلة الأولى ملفًا مختلفًا؟
لأنك إذا افترضت أن الأزمة النووية بين كوريا الديمقراطية وأمريكا انتهت بشكل نهائي، وتم توقيع معاهدة سلام، فلابد أن تسأل بعد ذلك: أين ستتجه القوات والاهتمامات الأمريكية في المنطقة؟
هنا يظهر ملف تايوان مباشرة، وهو من أخطر الملفات بالنسبة للصين، ولذلك فإن إعادة تموضع القوات الأمريكية بعد أي تسوية نهائية للأزمة الكورية ستكون جزءًا مهمًا من الحسابات الصينية.
الأمر لا يتعلق بكوريا وحدها، وإنما بخريطة أوسع تشمل شبه الجزيرة الكورية وتايوان وبحر الصين الجنوبي والوجود العسكري الأمريكي، ولهذا فإن أي تغيير كبير في أحد هذه الملفات سينعكس بصورة أو بأخرى على الملفات الأخرى.
لكن وسط كل هذه الحسابات الصينية والأمريكية، هل يمكن اعتبار كوريا الشمالية مجرد ورقة تتحرك فوق رقعة صراع القوى الكبرى؟
لا، وهذه نقطة مهمة جدًا، كوريا الديمقراطية دولة مستقلة لها سيادة، وقرارها يتطابق مع مصالحها هي أولًا.
وجود علاقات قوية مع الصين لا يعني أن كوريا الشمالية مجرد ورقة في يد بكين، كما أن وجود مصالح صينية مرتبطة بالأزمة لا يعني أن القرار الكوري يصدر من الصين.
بيونغ يانغ لديها رؤيتها وحساباتها وقرارها السيادي، وتتعامل مع القضايا انطلاقًا مما تعتبره مصالحها وأمنها وسيادتها.
وأين تقف روسيا في هذه الرقعة؟
إذا كانت الولايات المتحدة تعتمد في أي مواجهة محتملة على حليفيها اليابان وكوريا الجنوبية، فإن كوريا الشمالية لا تقف وحدها في هذه المواجهة، فهي تستند إلى منظومة علاقات وتحالفات استراتيجية مع قوتين نوويتين عظميين هما الصين وروسيا.
وهذا يجعل أي صراع في شبه الجزيرة الكورية أبعد من أن يكون مجرد صراع إقليمي محدود، لأن وجود هذه القوى الكبرى داخل المعادلة ينقل المسألة إلى مستوى التوازنات الدولية.
ومن هنا لا تستطيع أن تقرأ ما يحدث بين بيونغ يانغ وواشنطن وحدهما، بمعزل عن الصين وروسيا من جانب، واليابان وكوريا الجنوبية من جانب آخر، لأن كل طرف يتحرك داخل شبكة أوسع من المصالح والحسابات.
إذا أردنا تلخيص المشهد كله، فما الصورة الأقرب لما يحدث في شبه الجزيرة الكورية؟
الصورة الأقرب بالنسبة لي هي «رقعة الشطرنج».
الصين تريد «استقرارًا لا حربًا» حتى تكمل مسيرتها الاقتصادية، ولا تريد كوريا نووية لأمنها القومي، وفي الوقت نفسه لا تريد تمركز أمريكا على حدودها أو انتقال التركيز الأمريكي بالكامل إلى تايوان وبحر الصين الجنوبي.
وفي المقابل، كوريا الديمقراطية ليست مجرد ورقة في يد أحد، فهي دولة مستقلة ذات سيادة وقرارها ينطلق من مصالحها، بينما تدخل روسيا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية جميعًا في حسابات المنطقة.
لذلك قلت إن تلك المنطقة مثل رقعة الشطرنج، تحتاج إلى مهارة في أي تحرك، ومن يجيد اللعبة ستكون له الغلبة، وليس الانتصار الكامل.
بعد كل هذه الحسابات السياسية.. كيف تصفون وضع الجيش الشعبي الكوري اليوم ومكانته في المعادلة؟
سأصف لك ما رأيته بعيني في العرض العسكري الذي حضرته أكثر من مرة في ساحة كيم إيل سونغ، في كل مرة أشاهد تطورًا جديدًا في السلاح والتكنولوجيا العسكرية.
وعند مرور الصاروخ العابر للقارات في ساحة العرض العسكري، انقطعت أنفاس الحضور للحظات من رهبة الموقف، وفي الوقت نفسه كانت الصرامة في ملامح الجنود الكوريين عنوانًا للعزة والكبرياء، وهم يوجهون أنظارهم نحو المنصة حيث يقف القائد الأعلى للجيش الشعبي الكوري الرئيس كيم جونغ وون يرد تحية أبنائه في شموخ.
إنها رسالة لمن يهمه الأمر لا تحتاج إلى ترجمة: «نحن جاهزون.. الكرامة والسيادة أو الموت».
فالجيش الشعبي الكوري ليس جيش مرتزقة، هذا جيش عقائدي يرى «أن القائد والوطن والعقيدة شيء واحد»، وهذا الالتفاف من الجيش والشعب حول قيادته هو الذي جعل كوريا الشمالية تصمد أكثر من 70 سنة على العقوبات والحصار.
وباختصار، دعني أصيغ لك الأمر في معادلة رياضية لا تقبل التأويل:
«القوة العسكرية الجبارة + القوة التكنولوجية + الالتفاف حول القيادة = معادلة ردع حقيقية».
وهذا هو ما فرض على أمريكا أن تترك لغة التهديد وتجلس على طاولة الحوار، فكوريا تطبق مبدأ «لا يفل الحديد إلا الحديد».
هل يمكنني القول بأن نجاح كوريا الديمقراطية في مواجهة الضغوط الأمريكية وحلفائها سببه حنكة الرئيس كيم جونغ وون ومن خلفه قدرة الجيش الشعبي الكوري؟
بالفعل، هذا صحيح، ما حدث في مراحل التفاوض الكوري الأمريكي يؤكد أن مفهوم «السيادة» هو أساس لا مساومة عليه، وخاصة بالنسبة لكوريا الشمالية، بداية من الرئيس كيم إيل سونغ ثم القائد كيم جونغ إيل وصولًا إلى الرئيس كيم جونغ وون.
فالسيادة والاستقلالية مبدأ راسخ لا يتزعزع في فكرة «زوتشيه» التي تمثل العقيدة الأيديولوجية للشعب الكوري، وهي تعني باختصار: «أن الإنسان هو سيد كل شيء ومقرر كل شيء، وأن جماهير الشعب هي صاحبة القرار الحقيقي في الثورة والبناء».
دعني أقول لكم وبصراحة مطلقة: شجاعة الرئيس كيم جونغ وون في مواجهة أمريكا في الملف النووي، ومن خلفه جيش قوي، هي التي فرضت معادلة جديدة في الحوار.
الإدارة الأمريكية تعودت على التفاوض مع الدول من موقع الضغط العالي، وكثير من الدول بلا غطاء عسكري وفكري قوي يستطيع الصمود أمامها، لكن في الحالة الكورية وجدت دولة عندها عقيدة، وجيش، وقرار سيادي، ومشروع ردع.
هذه القوة العسكرية الكورية هي التي نقلت الأزمة من مرحلة التهديد والوعيد في 2017 إلى مرحلة القمم والجلوس على طاولة واحدة للتفاوض في 2018 في سنغافورة.
لكن «رقعة الشطرنج» لا تكتمل بمجرد معرفة مواقع اللاعبين، فهناك سؤال ربما يكون أخطر من كل ما سبق: إذا استمرت الأزمة النووية دون حل، فمن المستفيد من بقائها؟
هل تستفيد الولايات المتحدة من استمرار التوتر؟ وماذا عن كوريا الجنوبية واليابان؟ وأين تقع مصالح الصين وروسيا؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي لاستمرار أزمة تجاوز عمرها عقودًا؟
في الحلقة الخامسة من حوار «يونيو نيوز» مع الدكتور يحيى خيرالله: من المستفيد ومن المتضرر من استمرار الأزمة الكورية؟