مساحة رأي

كيف يحبط المدير الفاشل أفضل موظفيه؟

✍️ كتب: فرح شوقي

ليس كل موظف يغادر الشركة لأنه حصل على عرض مالي أفضل، وليس كل شخص يفقد حماسه لأنه لم يعد يحب عمله.

أحيانًا يكون السبب أبسط وأخطر:

مدير لا يعرف كيف يدير الأشخاص الذين يعملون معه.

المفارقة أن المدير الفاشل لا يكتفي بإزعاج الموظف العادي؛ بل يستطيع أن يفعل شيئًا أخطر بكثير: إحباط أفضل الموظفين ودفعهم تدريجيًا إلى تقليل مجهودهم، ثم البحث عن فرصة أخرى.

وهنا تبدأ المؤسسة في خسارة أهم عناصر قوتها، بينما يظل المدير مقتنعًا بأن المشكلة في الموظفين.

يبدأ الأمر عندما يعتبر الكفاءة تهديدًا

المدير غير الواثق من نفسه قد يشعر بالقلق من الموظف المتميز.

لماذا؟

لأن الموظف القوي يعرف ما يفعل، ويطرح الأسئلة، ويقترح حلولًا، وقد يمتلك خبرة أكبر في بعض التفاصيل.

بدل أن يرى المدير ذلك كميزة للفريق، يراه منافسة على سلطته.

فتبدأ عبارات مثل:

«أنا المدير.. نفذ فقط.»

أو:

«مش عايز اجتهاد، عايز تنفيذ.»

وبمرور الوقت يتعلم الموظف رسالة واضحة:

لا تفكر كثيرًا.. حتى لا تزعج مديرك.

يقتل المبادرة باسم الانضباط

هناك فرق بين الانضباط وبين تحويل الموظفين إلى آلات تنفيذ.

الموظف المتميز بطبيعته يبحث عن طريقة أفضل لإنجاز المهمة.

لكن المدير الفاشل قد يرفض أي اقتراح لا يأتي منه.

في البداية يحاول الموظف.

يقترح.

يناقش.

يقدم حلولًا.

ثم يُقابل بالرفض أو السخرية أو التجاهل.

بعد عدة مرات، يتوقف عن المحاولة.

وهنا تحدث خسارة صامتة:

المؤسسة لا تخسر فكرة واحدة، بل تخسر عقلًا كاملًا كان يمكن أن ينتج عشرات الأفكار.

يعطي الموظف الجيد المزيد من العمل.. لأنه «بيشيل»

من أشهر أخطاء الإدارة:

معاقبة الموظف الكفء بمزيد من المسؤوليات.

الموظف المجتهد ينجز بسرعة، فيحصل على مهام إضافية.

الموظف البطيء يتأخر، فيتم إعفاؤه أو متابعته بشكل أكبر.

وبالتالي تصبح الرسالة غير المعلنة:

كلما كنت أفضل، عملت أكثر.

ومع الوقت قد يتحول التميز نفسه إلى عبء.

الموظف لا يسأل بعدها:

«كيف أطور نفسي؟»

بل:

«كيف أنجز الحد الأدنى حتى لا أحصل على شغل إضافي؟»

لا يعطيه تقديرًا.. ثم يتساءل لماذا تغير

المال مهم.

لكن التقدير أيضًا مهم.

الموظف يريد أن يعرف أن جهده مرئي.

كلمة شكر في الوقت المناسب.

إشادة أمام الفريق.

منحه فرصة للمشاركة في قرار.

إسناد مشروع مهم إليه.

كل هذه أشياء صغيرة، لكنها تصنع شعورًا كبيرًا بالقيمة.

المدير الفاشل قد يرى كل ذلك رفاهية.

ويعتقد أن:

«هو بياخد مرتبه، بيشتغل ليه يعني؟»

لكن الموظف لا يقيس علاقته بالمؤسسة بالراتب وحده.

هو يقيس أيضًا:

هل أحترم؟

هل أثق؟

هل أتعلم؟

هل لي مستقبل هنا؟

يسرق الفضل.. ويحمّل الموظف المسؤولية

من أسرع الطرق لتدمير الولاء داخل فريق العمل أن يحصل المدير على تقدير إنجاز الموظف، ثم يختفي عندما تحدث المشكلة.

الفريق ينجح؟

«أنا وجهت الفريق.»

الفريق يفشل؟

«الموظف هو السبب.»

مع الوقت، يفهم الموظف القاعدة:

النجاح للمدير.. والفشل للموظف.

وعند هذه النقطة يموت الإحساس بالانتماء.

يقتل الثقة بالتدخل في كل التفاصيل

المدير الذي يريد معرفة كل شيء، والموافقة على كل خطوة، وتصحيح كل تفصيلة صغيرة، قد يظن أنه يمارس الإدارة.

لكنه في الحقيقة قد يكون يمارس الإدارة الدقيقة الخانقة.

الموظف المتميز لا يحتاج مديرًا يراقب كل حركة.

يحتاج مديرًا يحدد:

الهدف.

الموعد.

الموارد.

المسؤولية.

ثم يترك له مساحة التنفيذ.

عندما يتحول كل قرار صغير إلى انتظار لموافقة المدير، يصبح الموظف أقل استقلالًا، وأبطأ، وأقل حماسًا.

يستخدم الخوف بدل القيادة

«لو ما عجبكش الباب يفوت جمل.»

هذه الجملة قد تبدو للمدير قوة.

لكنها في الحقيقة قد تكون إعلانًا عن فشل القيادة.

الخوف يمكن أن يجعل الموظف ينفذ.

لكنه نادرًا ما يجعله يبدع.

الموظف الخائف يفكر:

كيف أتجنب الخطأ؟

أما الموظف الآمن فيفكر:

كيف أصنع شيئًا أفضل؟

والفرق بين الاثنين هو الفرق بين مؤسسة تؤدي الحد الأدنى ومؤسسة تتطور.

يعاقب من يتحدث بصدق

الموظف الجيد غالبًا هو أول شخص يرى المشكلة.

لأنه قريب من التفاصيل.

وقد يقول للمدير:

«الطريقة دي مش هتنجح.»

أو:

«في مشكلة في النظام.»

أو:

«العميل مش راضي عن النقطة دي.»

المدير الناضج يشكره.

المدير الفاشل يعتبره «سلبيًا» أو «بيجادل».

وبعد فترة، يصمت الموظف.

وهنا تظهر أخطر علامة على وجود مشكلة إدارية:

الجميع أصبح موافقًا.

ليس لأن كل شيء أصبح جيدًا.

بل لأن لا أحد يريد الكلام.

يساوي بين المتميز والمتكاسل

لا شيء يحبط الموظف المجتهد أكثر من رؤية شخص لا يعمل يحصل على نفس التقدير والمزايا.

إذا كان:

المجتهد يعمل أكثر،

والملتزم يتحمل المسؤولية،

والمبدع يقدم أفكارًا،

ثم تتم معاملتهم جميعًا بالطريقة نفسها التي يعامل بها الموظف غير المبالي،

فإن الرسالة تصبح واضحة:

لماذا أتعب؟

العدالة داخل الفريق ليست أن يحصل الجميع على الشيء نفسه.

بل أن يعرف الجميع أن الأداء والمسؤولية لهما قيمة.

يمنع عنه التطور

الموظف الجيد يريد أن يتعلم.

دورة.

مؤتمر.

مهمة جديدة.

مشروع مختلف.

مسؤولية أكبر.

لكن المدير الذي يخشى فقدان السيطرة قد يبقي الموظف داخل نفس المهمة لسنوات.

ثم يتساءل:

«ليه مستواه ما بيتطورش؟»

الموظف الذي لا يجد طريقًا للنمو يبدأ في البحث عنه خارج المؤسسة.

لا يسمع إلا عندما يقرر الموظف الرحيل

وهذه واحدة من أكثر المفارقات المؤلمة.

الموظف يلمح.

ثم يطلب اجتماعًا.

ثم يعبر عن عدم رضاه.

ثم يبدأ في الانسحاب النفسي.

ثم يقدم استقالته.

وفجأة يصبح المدير مهتمًا:

«إيه اللي حصل؟»

لكن في كثير من الأحيان، الاستقالة ليست بداية المشكلة.

الاستقالة هي آخر فصل فيها.

الموظف قد يكون قد استقال داخليًا قبل أن يكتب الاستقالة الرسمية بأسابيع أو أشهر.

كيف تعرف أن المدير بدأ يخسر أفضل موظفيه؟

هناك علامات واضحة:

  • الموظف الذي كان يقترح أصبح ينفذ فقط.
  • الذي كان يبادر أصبح ينتظر التعليمات.
  • الذي كان يتحدث أصبح صامتًا.
  • الذي كان متحمسًا أصبح يؤدي الحد الأدنى.
  • الذي كان يدافع عن المؤسسة أصبح لا يهتم.
  • الاجتماعات أصبحت بلا أفكار.
  • الأخطاء لا يناقشها أحد.
  • الموظفون الجيدون بدأوا تحديث سيرهم الذاتية.
  • والأهم: بدأت الاستقالات تأتي من الأشخاص الذين يصعب تعويضهم.

إذا وصلت المؤسسة إلى هذه المرحلة، فالمشكلة غالبًا ليست في الموظفين.

المدير الجيد يفعل العكس تمامًا

المدير الجيد لا يخاف من الموظف الأقوى منه في تخصص معين.

بل يستخدم قوته.

لا يحتكر الأفكار.

بل يخلق بيئة تنتج الأفكار.

لا يعاقب الكفاءة بمزيد من الفوضى.

بل يمنح صاحبها موارد وصلاحيات تتناسب مع المسؤولية.

ولا يحتاج إلى أن يكون أذكى شخص في الغرفة.

يكفي أن يكون قادرًا على جعل كل شخص في الغرفة أفضل.

المشكلة لا تتوقف عند الموظف

عندما يخسر المدير موظفًا ممتازًا، قد يقول:

«هنجيب غيره.»

وهذه نصف الحقيقة فقط.

يمكن فعلًا تعويض الشخص.

لكن من الصعب تعويض:

خبرته.

معرفته بالعملاء.

فهمه للنظام.

علاقاته داخل الفريق.

معرفته بالأخطاء السابقة.

الوقت الذي سيحتاجه البديل للتعلم.

والثقة التي بناها خلال سنوات.

ولهذا فإن تكلفة المدير السيئ لا تظهر فقط في الرواتب.

تظهر في الكفاءة المفقودة، ودوران الموظفين، وانخفاض الإنتاجية، وتراجع الروح المعنوية، وضياع المعرفة.

الخلاصة

المدير الفاشل لا يخسر موظفيه بالضرورة لأنه قاسٍ أو عصبي.

أحيانًا يخسرهم لأنه لا يعرف كيف يستخدم قوتهم.

يقتل المبادرة.

يخلط بين السلطة والقيادة.

يعطي المجتهد عملًا إضافيًا بدل تقديره.

يسرق الفضل.

يعاقب الصراحة.

ويجعل الموظف يشعر أن نجاحه لا يغير شيئًا.

والنتيجة؟

أفضل الموظفين لا يتركون العمل دائمًا.. أحيانًا يتركون المدير أولًا.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مدير على نفسه ليس:

«لماذا يرحل الموظفون؟»

بل:

«ماذا أفعل أنا يجعل الموظف الذي كنت أتمنى الاحتفاظ به يبحث عن مكان آخر؟»

فالمؤسسة القوية لا تُبنى فقط بموظفين ممتازين.

بل بمديرين يعرفون كيف يحافظون على تميز هؤلاء الموظفين بدل أن يحولوه إلى سبب لرحيلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى