صموئيل العشاي يكتب: ملحمة وطنية في دمياط

لم تكن دمياط في يوم من الأيام مجرد مدينة على البحر.
دمياط مدينة تعرف معنى الوطن، وتعرف جيدًا أن مصر ليست مجرد حدود جغرافية، وإنما بيت كبير يجمع أبناءها مهما اختلفت آراؤهم وتنوعت انتماءاتهم.
ولذلك، فإن ما شهدته دمياط خلال الساعات الأخيرة من سيل من الشائعات والتحليلات على مواقع التواصل الاجتماعي، كان اختبارًا جديدًا ليس للدولة وحدها، وإنما للمجتمع كله.
والحقيقة أنني توقفت أمام مشهد شديد الدلالة.
في الوقت الذي كان فيه البعض يتعامل مع كل منشور مجهول المصدر باعتباره «خبرًا مؤكدًا»، كان هناك في المقابل وعي شعبي حقيقي، وأجهزة دولة تتعامل مع الموقف، وأبناء دمياط الذين يعرفون قيمة مدينتهم وموقعها وأهميتها.
عندما تصبح الشائعة أخطر من الخبر
المشكلة لم تعد في الشائعة نفسها.
المشكلة في السرعة التي تنتشر بها.
صورة بلا مصدر.
فيديو قديم.
حساب مجهول.
تعليق من شخص لا يعرف شيئًا.
ثم تبدأ ماكينة مواقع التواصل في تحويل كل ذلك إلى «حقيقة».
وهكذا يمكن خلال دقائق أن يتحول حدث عادي إلى أزمة، وأن تتحول معلومة ناقصة إلى قصة كاملة، وأن يتحول القلق الطبيعي إلى حالة من الذعر.
وهنا يجب أن نتوقف.
ليس كل ما نراه على الهاتف خبرًا.
وليس كل من كتب معلومة أصبح مصدرًا.
وليس كل تحليل يستحق أن يتحول إلى موقف.
دمياط ليست ملعبًا للشائعات
دمياط مدينة لها وزنها.
ميناؤها وموقعها البحري واقتصادها ومصانعها وأهلها يجعلونها جزءًا مهمًا من منظومة الدولة المصرية.
ولهذا فإن التعامل مع أي حديث عن أمنها أو منشآتها الحيوية يجب أن يكون بمنتهى المسؤولية.
وعندما تصدر الجهات الرسمية نفيًا لمعلومة متداولة، كما حدث بشأن ما أثير حول هجوم بمسيّرة على ميناء دمياط، فإن الواجب الوطني والمهني يقتضي انتظار المعلومات الموثوقة وعدم صناعة روايات من الخيال.
قد يختلف الإنسان مع الحكومة.
قد ينتقد مسؤولًا.
قد يطالب بمزيد من الشفافية.
وهذا حق أصيل.
لكن الاختلاف السياسي لا يعني منح الشائعة جواز مرور إلى عقول الناس.
ما حدث كشف معدن الناس
في الأزمات تظهر حقيقة المجتمعات.
هناك من يبحث عن الحقيقة.
وهناك من يبحث عن الإثارة.
هناك من يقول:
«استنوا المصدر الرسمي.»
وهناك من يقول:
«أنا سمعت إن…»
والفرق بين الجملتين قد يكون هو الفرق بين مجتمع واعٍ ومجتمع يمكن أن تقوده شائعة.
أبناء دمياط الذين رفضوا الانجرار وراء الأخبار غير الموثقة قدموا درسًا مهمًا:
الوطنية ليست فقط أن نرفع العلم عندما نحتفل، وإنما أن نحافظ على استقرار بلدنا عندما تنتشر الفوضى حولنا.
المؤسسات أيضًا أمام مسؤولية كبيرة
لكن المسؤولية ليست على المواطن وحده.
الدولة مطالبة كذلك بأن تكون أسرع في التواصل.
ففي عصر الهاتف المحمول، الخبر لا ينتظر المؤتمر الصحفي.
والشائعة لا تنتظر انتهاء التحقيق.
المعلومة الخاطئة تستطيع أن تصل إلى مئات الآلاف قبل أن تصل المعلومة الرسمية إلى الناس.
وهنا يصبح التواصل السريع والدقيق جزءًا من الأمن القومي.
كلما كانت المعلومة الرسمية واضحة وسريعة، ضاقت المساحة التي تتحرك فيها الشائعة.
وكلما تأخرت المعلومة، امتلأ الفراغ بعشرات الروايات.
لا تجعلوا الخوف تجارة
هناك من يعيش على الأزمات.
يبحث عن المشاهدات.
يصنع عنوانًا مخيفًا.
يستخدم كلمات مثل «كارثة» و«هجوم» و«انفجار» و«مصدر خاص».
ثم يجلس ليراقب عدد المشاركات.
هؤلاء لا يقدمون خدمة للمجتمع.
إنهم يحولون خوف الناس إلى محتوى.
والأخطر أنهم لا يدركون أن الكلمة التي يكتبونها قد تؤثر في أسرة، أو عامل، أو مستثمر، أو صاحب مصنع، أو مواطن يعيش في المدينة.
الإعلام ليس لعبة.
والصحافة تحديدًا ليست مسابقة في الوصول إلى الخبر قبل الآخرين.
الصحافة الحقيقية هي أن تعرف متى تنشر، وماذا تنشر، وماذا لا يجوز أن تنشره قبل التحقق.
دمياط أكبر من منشور
دمياط ليست مجرد اسم في خبر عاجل.
هي ناس يعملون.
مصانع تنتج.
موانئ تتحرك.
صيادون يخرجون إلى البحر.
تجار يسعون وراء أرزاقهم.
أسر تريد أن تعيش بأمان.
وشباب لديهم أحلامهم.
كل هؤلاء يتأثرون بصورة المدينة التي تصنعها مواقع التواصل.
ولهذا لا يجوز أن نسمح لمنشور مجهول بأن يرسم صورة مدينة كاملة.
الوطنية ليست صمتًا
وأقولها بوضوح:
الوطنية لا تعني أن نصدق كل ما تقوله الدولة دون نقاش.
ولا تعني أن نرفض كل ما تقوله الدولة لمجرد الرفض.
الوطنية تعني أن نبحث عن الحقيقة.
أن نسأل.
أن نتحقق.
أن ننتقد عندما يكون هناك ما يستحق النقد.
وأن نساند الدولة عندما يكون هناك خطر حقيقي على الوطن.
العقل النقدي لا يتعارض مع الوطنية.
بل هو أحد أشكالها.
دمياط قدمت درسًا
ما حدث يجب ألا يمر باعتباره مجرد موجة شائعات وانتهت.
يجب أن نتعلم منه.
أن نراجع ما نشاركه.
أن نسأل عن المصدر.
أن نتوقف عن إعادة نشر الصور والفيديوهات القديمة.
أن نفرق بين الخبر والتحليل.
وأن ندرك أن «الجميع يتحدثون عن الموضوع» ليست دليلًا على أن الموضوع صحيح.
فقد تتفق آلاف الحسابات على معلومة خاطئة.
العدد لا يصنع الحقيقة.
المصدر هو الذي يصنعها.
وفي النهاية..
أحب أن أقول لأهل دمياط:
اطمئنوا.
كونوا يقظين، لكن لا تكونوا أسرى للخوف.
تابعوا الأخبار، لكن من مصادرها.
اسألوا، لكن لا تساعدوا في نشر ما لا تعرفون حقيقته.
إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: حين يتكلم النفط
فدمياط التي صنعت عبر تاريخها اقتصادًا وحياةً ومجدًا، تستحق أن نحمي صورتها كما نحمي أمنها.
ومصر التي واجهت أزمات وحروبًا وشائعات ومحاولات استهداف كثيرة، لا تحتاج إلى مواطن مذعور.
تحتاج إلى مواطن واعٍ.
ولا تحتاج إلى صوت يصرخ مع كل شائعة.
تحتاج إلى صوت يقول:
«هات المصدر.. وبعدين نتكلم.»
هذه ليست جملة عابرة.
هذه ثقافة وطن.
وفي النهاية، قد تكون أعظم «ملحمة وطنية» شهدتها دمياط في هذه الساعات ليست في مواجهة حدث عسكري أو أمني، وإنما في قدرة أهلها على أن يقولوا:
لن نسمح للشائعة أن تهزم الحقيقة.
صموئيل العشاي
