عيد أحمد عيد يكتب: رصفٌ يهدمه غياب التنسيق

من المشاهد التي أصبحت مألوفة إلى حد يثير الاستغراب، أن نرى طريقًا جرى رصفه حديثًا بتكلفة كبيرة، ثم لا تمر أيام أو أسابيع حتى تبدأ أعمال الحفر فيه من جديد، لتمرير خط مياه، أو كابل كهرباء، أو شبكة اتصالات، أو تنفيذ أعمال صرف ومرافق أخرى.
المشكلة هنا ليست في الحفر نفسه، فالمرافق جزء أساسي من أي مدينة، ولا يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها إذا كانت هناك حاجة حقيقية لتنفيذها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يتم رصف الطريق قبل الانتهاء من أعمال المرافق؟ ولماذا لا يكون هناك تنسيق مسبق بين الجهات المختلفة قبل بدء التنفيذ؟
حين تعمل كل جهة منفردة، دون جدول موحد أو تنسيق واضح، تكون النتيجة أن الدولة تدفع تكلفة العمل أكثر من مرة، والمواطن يدفع أيضًا ثمن هذا الخلل في صورة طرق أقل جودة، وزحام متكرر، وتعطيل للحركة، وأعمال صيانة لا تنتهي.
المشكلة ليست في الحفر.. بل في توقيته
قد يكون حفر الطريق ضرورة فنية لا مفر منها، لكن تنفيذ الحفر بعد الرصف مباشرة يكشف في كثير من الأحيان عن خلل في ترتيب الأولويات.
فالمنطق يقول إن أعمال المرافق يجب أن تسبق أعمال الرصف النهائي، خاصة في المناطق التي تشهد تطويرًا شاملًا.
إذا كانت هناك خطة لتجديد شبكة المياه أو الكهرباء أو الصرف أو الاتصالات، فمن الطبيعي أن يتم تنفيذ هذه الأعمال أولًا، ثم تأتي مرحلة الرصف في النهاية، وليس العكس.
لكن حين يحدث الرصف أولًا ثم تبدأ أعمال الحفر بعد ذلك، فإننا لا نتحدث فقط عن مشهد غير منظم، وإنما عن تكلفة اقتصادية مباشرة.
لماذا ندفع تكلفة الرصف مرتين؟
رصف الطرق ليس عملية بسيطة أو منخفضة التكلفة.
هناك أعمال تمهيد وتسوية ومواد خام ومعدات وعمالة ونقل وإشراف هندسي، ثم تأتي بعد ذلك أعمال الصيانة.
وحين يتم كسر الطريق بعد فترة قصيرة من رصفه، فإن جزءًا من هذه التكلفة يفقد قيمته.
ثم نحتاج بعد ذلك إلى إعادة الردم والرصف، وغالبًا لا يعود سطح الطريق إلى حالته الأصلية بشكل كامل.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا ندفع تكلفة الرصف مرتين أو ثلاثًا، بينما كان من الممكن تنسيق الأعمال من البداية وتنفيذها مرة واحدة؟
المواطن يدفع الثمن أيضًا
الأمر لا يتعلق بالمال العام فقط.
كل عملية حفر جديدة تعني غالبًا تحويلات مرورية، واختناقات، وأتربة، وضوضاء، وصعوبة في الحركة، خاصة في الشوارع الحيوية.
وقد يستمر هذا الوضع أيامًا أو أسابيع، ثم يكتشف المواطن بعد انتهاء الأعمال أن الطريق لم يعد بنفس الجودة التي كان عليها قبل الحفر.
وبذلك تتحول مشكلة إدارية في التنسيق إلى عبء يومي يشعر به المواطن بشكل مباشر.
عمر الطريق يتأثر
من النقاط التي لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي أن الحفر وإعادة الرصف لا يؤثران فقط في الشكل الخارجي للطريق، وإنما قد يؤثران أيضًا في عمره الافتراضي.
فعندما يتم قطع طبقات الرصف ثم إعادة إغلاقها، قد تظهر لاحقًا هبوطات أو شروخ أو اختلافات في مستوى الطريق إذا لم تتم أعمال الردم وإعادة الرصف وفق المواصفات المطلوبة.
ومع تكرار عمليات الحفر، يتحول الطريق الجديد تدريجيًا إلى مجموعة من الترقيعات.
وهذا يعني أن التكلفة لا تتوقف عند عملية الحفر الأولى، بل قد تمتد إلى تكاليف صيانة مستقبلية أيضًا.
التخطيط أهم من سرعة التنفيذ
في الإدارة، لا يكفي أن تقول إن المشروع تم إنجازه في موعده.
النجاح الحقيقي هو أن يتم تنفيذ المشروع بطريقة تمنع الحاجة إلى هدمه أو إعادة جزء منه بعد وقت قصير.
فالإدارة الناجحة ليست مجرد سرعة في التنفيذ، وإنما هي أيضًا قدرة على التنسيق والتنبؤ بما سيحدث بعد انتهاء المشروع.
وإذا كانت إحدى الجهات تعرف أن هناك خطة مستقبلية لإحلال شبكة مياه أو تنفيذ كابلات في شارع معين، فمن الطبيعي أن تكون هذه المعلومات متاحة للجهة المسؤولة عن الرصف قبل بدء العمل.
أين التنسيق بين الجهات؟
كثير من مشكلات البنية التحتية لا تحتاج بالضرورة إلى زيادة الإنفاق بقدر ما تحتاج إلى إدارة أفضل للمعلومات.
كل جهة لديها خطة ومشروعات ومواعيد تنفيذ، لكن المشكلة تبدأ حين تظل هذه الخطط منفصلة عن بعضها.
وجود جدول موحد لأعمال المرافق في كل منطقة قبل رصف الطرق يمكن أن يوفر ملايين الجنيهات ويقلل من عمليات التكسير المتكررة.
كما يمكن تحديد فترات زمنية واضحة لأعمال المياه والكهرباء والغاز والاتصالات والصرف قبل إعطاء الضوء الأخضر للرصف النهائي.
ترشيد الإنفاق لا يعني أن ننفق أقل
أحيانًا يتم اختزال مفهوم ترشيد الإنفاق في تقليل المصروفات.
لكن الترشيد الحقيقي يعني أن يتم استخدام المال في المكان والوقت الصحيحين.
قد تنفق الدولة مبلغًا كبيرًا على تطوير طريق، ويكون هذا الإنفاق ضروريًا ومفيدًا، لكن إذا اضطررنا بعد فترة قصيرة إلى كسر الطريق وإعادة جزء من العمل، فإن المشكلة ليست في حجم الإنفاق، وإنما في طريقة إدارته.
الصرف الجيد أهم من الصرف القليل.
حلول بسيطة يمكن أن تمنع المشكلة
المشكلة ليست مستحيلة الحل.
يمكن أن يكون هناك تنسيق إلزامي بين جميع الجهات المسؤولة عن المرافق قبل إصدار أمر رصف أي طريق.
كما يمكن تحديد مدة زمنية لا يسمح خلالها بحفر الطرق التي تم رصفها حديثًا إلا في حالات الطوارئ، مع تحميل الجهة المنفذة مسؤولية إعادة الطريق إلى حالته الأصلية وفق معايير واضحة.
ومن المهم أيضًا أن تكون هناك خريطة محدثة لشبكات المرافق تحت الأرض، بحيث تعرف كل جهة ما هو موجود بالفعل وما هي المشروعات المخطط لها.
المساءلة جزء من الحل
حين يتم رصف طريق ثم تكسيره بعد أيام، من حق المواطن أن يعرف لماذا حدث ذلك.
هل ظهرت حاجة طارئة لم تكن موجودة وقت الرصف؟ أم أن المشروع كان معروفًا مسبقًا ولم يحدث تنسيق؟
هذا الفرق مهم.
لأن الحالات الطارئة واردة في أي دولة، لكن تكرار المشهد نفسه بصورة مستمرة يعني أن هناك مشكلة تحتاج إلى مراجعة.
الإدارة الجيدة تحافظ على ما تنجزه
نجاح مشروعات البنية التحتية لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تم رصفها، وإنما أيضًا بقدرة الإدارة على الحفاظ على هذه الاستثمارات.
فالطريق الذي يتم رصفه ثم تكسيره بعد فترة قصيرة لا يمثل أفضل استخدام للموارد، مهما كانت جودة العمل في البداية.
ولهذا فإن السؤال ليس: لماذا نحفر الطريق؟
السؤال الحقيقي هو:
لماذا لم نعرف أننا سنحتاج إلى حفره قبل أن نرصفه؟
فالمشكلة ليست دائمًا في قلة الموارد، وإنما أحيانًا في طريقة إدارة هذه الموارد.
وكل جنيه يمكن توفيره من خلال التنسيق والتخطيط المسبق، يمكن توجيهه إلى طريق آخر أو مدرسة أو مستشفى أو خدمة يحتاجها المواطن.
ولهذا فإن التنسيق بين الجهات ليس مسألة تنظيمية بسيطة، بل هو جزء أساسي من حماية المال العام وتحسين جودة الخدمات.





