إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: متى ينتهي الضجيج

لم تعد المشكلة على مواقع التواصل الاجتماعي في نقص المعلومات، بل في كثرتها، والأخطر من ذلك في كثرة الذين يتحدثون عنها دون معرفة حقيقية.
نحن نعيش يوميًا وسط سيل متواصل من الآراء والتعليقات والتحليلات والأحكام، حتى أصبح الوصول إلى الحقيقة أصعب من أي وقت مضى، ليس لأن الحقيقة غائبة، ولكن لأن الضجيج المحيط بها أصبح أكبر من صوتها.
في الماضي، كان من يريد أن يتحدث أمام الناس يحتاج إلى مساحة أو منبر. اليوم، يكفي هاتف محمول واتصال بالإنترنت ليصبح أي شخص صاحب رأي في كل شيء.
الحقيقة الثابتة.. أنه لا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ، فحق الناس في التعبير عن آرائهم أمر طبيعي ومهم، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي إلى بديل عن المعرفة، وعندما يعتقد البعض أن مجرد امتلاك حساب على مواقع التواصل يمنحه القدرة على إصدار الأحكام في كل قضية.
تتابع قضية سياسية، فتجد آلاف المحللين. تظهر أزمة اقتصادية، فيتحول الجميع إلى خبراء. يقع حادث أو تنتشر واقعة، فيبدأ توزيع الاتهامات وإصدار الأحكام قبل أن تظهر معلومة واحدة مؤكدة. والأسوأ أن كثيرًا من الناس لا ينتظرون الحقيقة، لأن الحقيقة بالنسبة إليهم ليست هي الهدف.. الهدف هو أن تكون حاضرًا في اللحظة، وأن تكتب تعليقًا سريعًا، وأن تحصل على أكبر قدر ممكن من التفاعل.
وهنا تغيرت طبيعة النقاش تمامًا.
لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟
أصبح السؤال: ماذا ستقول الآن؟
لا أحد يريد أن يتأخر عن التريند، حتى لو كان لا يعرف شيئًا عنه. ولذلك أصبح البعض يكتب أولًا ثم يبحث عن المعلومات بعد ذلك، ويصدر حكمه ثم يبدأ في البحث عما يؤيده، ويختار من الوقائع ما يناسب موقفه ويتجاهل ما يخالفه.
السوشيال ميديا لم تخلق الكذب، لكنها منحته سرعة غير مسبوقة. ولم تخلق التعصب، لكنها وفرت له جمهورًا ومنصة.. ولم تخلق الجهل، لكنها في بعض الأحيان جعلت صاحبه أكثر قدرة على الظهور من صاحب المعرفة.
وهذا هو الضجيج الحقيقي.. ليس الضجيج في كثرة الأصوات وحدها، وإنما في اختلاط الصوت بالمعلومة، والرأي بالحقيقة، والانفعال بالفهم. يصبح من الصعب على المتابع العادي أن يميز بين شخص ينقل معلومة موثقة، وآخر يكرر ما سمعه، وثالث يختلق رواية كاملة من أجل عدد أكبر من المشاهدات.
والنتيجة أننا نعيش أحيانًا داخل معارك لا قيمة لها. قضية تتصدر المشهد ساعات أو أيامًا، يتبادل الناس بسببها السباب والاتهامات، وتنقسم الصفحات إلى معسكرات، ثم تختفي القضية فجأة ليبدأ الجميع في معركة جديدة.
لا مراجعة لما قيل.
لا اعتذار عن معلومة خاطئة.
لا اهتمام بمن تضرر من الشائعات.
فالمهم أن التريند انتهى، وبدأ تريند آخر.
ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا نتحدث طوال الوقت؟ هل لدينا فعلًا ما نضيفه؟ أم أننا نخشى أن يمر الحدث دون أن نترك بصمتنا عليه؟
ليس مطلوبًا من أحد أن يصمت، وليس من الحكمة أن نطالب الناس بالكف عن إبداء آرائهم. لكن من حق الحقيقة علينا أن نتأكد قبل أن ننشر، وأن نفهم قبل أن نحكم، وأن نعرف الفرق بين امتلاك رأي وامتلاك معلومة.
والسؤال الان متى ينتهي الضجيج؟ لن ينتهي ما دام هناك من يربح من صناعته، وما دام الاستفزاز يجلب تفاعلًا أكثر من النقاش الهادئ، وما دام البعض يقيس قيمة ما يقوله بعدد الإعجابات والمشاركات.
لكن يمكن لكل واحد منا أن يقلل هذا الضجيج، بأن يتوقف لحظة قبل أن يشارك خبرًا، وأن يسأل عن المصدر قبل أن يصدق، وأن يقبل فكرة بسيطة أصبحت نادرة في زمن السوشيال ميديا:
ليس ضروريًا أن يكون لدينا رأي في كل شيء، وليس ضروريًا أن نقول كل ما نفكر فيه.
ربما يبدأ انتهاء الضجيج عندما نتعلم أن الكلام ليس دليلًا على المعرفة، وأن الصراخ لا يحول الرأي إلى حقيقة، وأن التفاعل مهما كان كبيرًا لا يمنح المعلومة الكاذبة شرعية.
عندها فقط، ربما يصبح لصوت الحقيقة فرصة في أن يُسمع.




