مساحة رأي

إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: مجتمع المجانين

نعيش هذه الأيام في مجتمع غريب، يصعب فيه أحيانًا أن تفرق بين العاقل والمجنون، ليس لأن أعداد المجانين زادت بالضرورة، ولكن لأن المقاييس نفسها اختلت، والأدوار تبدلت، وأصبح كثير مما كنا نعتبره استثناءً في الماضي أمرًا عاديًا لا يثير الدهشة. نحن أمام مجتمع يمكن أن نطلق عليه، بشيء من المبالغة المقصودة، «مجتمع المجانين»، لكن المشكلة الحقيقية أن أغلب أفراده لا يرون في سلوكهم أي قدر من الجنون.

المجنون اليوم ليس فقط من يصرخ في الشارع أو يتحدث مع نفسه، بل قد يكون شخصًا طبيعي المظهر، أنيق الملابس، يحمل أحدث هاتف، ويقضي نصف يومه في مراقبة حياة الآخرين على مواقع التواصل، ثم يعود غاضبًا من حياته لأنه لم يعش مثلهم. وقد يكون ذلك الذي يستدين ليشتري هاتفًا لا يحتاجه، فقط حتى لا يبدو أقل من أصدقائه، أو ذلك الذي يكره عمله كل صباح، ويشكو منه كل مساء، لكنه يرفض طوال عشرين عامًا أن يبحث عن طريق آخر لأنه يخشى التغيير أكثر مما يكره واقعه.

لقد تحول جزء كبير من حياتنا إلى فرجة. لم نعد نعيش الحدث فقط، بل نفكر فورًا في كيفية تصويره ونشره. حادث يقع في الشارع، فيرفع البعض هواتفهم قبل أن يفكروا في مساعدة المصاب. مشاجرة تبدأ، فيزداد عدد المصورين أسرع من عدد الذين يحاولون تهدئتها. فرح، حزن، مرض، خلاف أسري، طلاق، بل وحتى الموت أحيانًا، كلها يمكن أن تتحول في لحظات إلى مادة قابلة للنشر والتعليق والمشاركة. وكأن قيمة اللحظة لم تعد فيما يشعر به الإنسان، بل في عدد من شاهدها.

ثم جاء جنون المقارنات ليكمل الصورة. الجميع ينظر إلى الجميع، هذا يريد سيارة مثل فلان، وذاك يريد منزلًا مثل فلان، وثالث يريد حياة تشبه الصور التي يشاهدها يوميًا. والمفارقة أننا نقارن حياتنا الحقيقية، بكل ما فيها من تعب وفشل ومشكلات، بالصورة التي اختار شخص آخر أن يعرضها لنا بعناية. نقارن حسابنا البنكي الحقيقي بصورة سيارة قد تكون بالأقساط، وبيوتنا الطبيعية بصورة غرفة جرى ترتيبها نصف ساعة من أجل لقطة واحدة، ثم نسأل بغضب: لماذا يعيش الآخرون أفضل منا؟ بينما الحقيقة أننا في أغلب الأحيان لا نرى حياتهم أصلًا، بل نرى الإعلان الذي صنعوه عنها.

والأغرب أننا دخلنا مرحلة أصبح فيها البعض لا يسأل: ماذا أريد أن أكون؟ بل يسأل: كيف أصبح مشهورًا؟ لم تعد الشهرة نتيجة لشيء، بل تحولت عند كثيرين إلى هدف في ذاتها. مشهور بماذا؟ ليست مهمة. افعل أي شيء يجذب الانتباه أولًا، ثم ابحث بعد ذلك عن المضمون. ومن هنا أصبح البعض مستعدًا لأن يفتعل خلافًا، أو يكشف أسرار بيته، أو يهين شخصًا، أو يصنع قصة وهمية، فقط ليحصل على دقائق من الاهتمام وبعض الأرقام على شاشة هاتفه. وحين ينخفض هذا الاهتمام يشعر وكأن قيمته الشخصية قد انخفضت معه.

نحن أيضًا مجتمع يتكلم كثيرًا ويفعل قليلًا. الجميع لديه رأي في الاقتصاد والسياسة والطب والدين والتعليم وكرة القدم والزواج وتربية الأطفال، والجميع يمتلك حلولًا جاهزة لكل مشكلات الدولة والمجتمع، لكن عندما ننتقل من الكلام إلى الفعل تقل الأعداد فجأة. من السهل أن تنتقد الموظف الذي يتكاسل، لكن الأصعب أن تؤدي عملك أنت بإتقان. من السهل أن تهاجم الواسطة، لكن بعض من يهاجمونها يبحثون عنها فور احتياجهم إلى خدمة. ومن السهل أن نتحدث طويلًا عن الفساد، ثم نبحث عن استثناء صغير لأنفسنا ونعتبره حقًا مشروعًا. نحن نرفض كثيرًا من السلوكيات عندما تصدر من الآخرين، ثم نمتلك قدرة مذهلة على اختراع المبررات عندما تصدر منا.

وإذا أضفنا إلى ذلك سرعة الغضب، أصبحت الصورة أكثر وضوحًا. كلمة صغيرة قد تتحول إلى خصومة، واختلاف في الرأي قد يصبح عداوة، وتعليق عابر على الإنترنت قد يفتح أبوابًا من الشتائم لم تكن لتحدث لو جلس الشخصان وجهًا لوجه. لقد منحتنا الشاشات شجاعة غريبة، فأصبح بعض الناس يكتبون ما لا يستطيعون قوله في الواقع، وتحول جزء من المجتمع إلى جمهور مستعد يوميًا للانقسام حول ترند جديد أو تصريح أو فيديو أو مباراة. نغضب اليوم من قضية، ثم ننساها غدًا لأن قضية أخرى وصلت إلى الصدارة، فننتقل من معركة إلى أخرى دون أن نتوقف لنسأل: لماذا كنا غاضبين أصلًا؟

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: من بقي عاقلًا؟ ربما العاقل اليوم هو من قرر ألا يقارن حياته طوال الوقت بحياة الآخرين، ومن عرف أن قيمته لا تتحدد بنوع هاتفه أو سيارته أو عدد متابعيه. العاقل هو من يستطيع أن يقول «لا أعرف» في زمن يعرف فيه الجميع كل شيء، ومن يستطيع أن يغلق هاتفه لبعض الوقت ليجلس مع أسرته، ويقرأ قبل أن يحكم، ويسمع قبل أن يرد، ويختلف مع إنسان دون أن يعتبره عدوًا. وربما أصبح هؤلاء بالفعل غرباء وسط الضجيج، حتى إن العقل نفسه بات يبدو أحيانًا كأنه تصرف غير مألوف.

ولعل أخطر ما في «مجتمع المجانين» ليس انتشار الجنون، وإنما أن نتعايش معه حتى نفقد القدرة على رؤيته. أن يصبح الكذب ذكاءً، والاستعراض نجاحًا، والضجيج حضورًا، والوقاحة جرأة، والشهرة قيمة، والمال المقياس الوحيد للإنسان. عندها لا تعود المشكلة في سلوك فرد أو مجموعة، بل في منظومة كاملة اختلطت فيها المعاني.

وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى سؤال معقد. يكفي أن يسأل كل واحد منا نفسه من وقت إلى آخر: هل أنا فعلًا أعيش بالطريقة التي أريدها، أم أنني أركض فقط لأن الجميع يركض؟ ربما تبدأ أول علامة من علامات العقل حين نمتلك شجاعة التوقف قليلًا وسط هذا الجنون.

f
تابع يونيو نيوز على فيسبوك
تابع آخر الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة
تابعنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»