رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

«كلما اشتعل الداخل حضرت مصر».. لماذا تزج إثيوبيا بالقاهرة في أزماتها؟

تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من الاضطراب الداخلي مع تجدد القتال في شمال البلاد واتساع دائرة المواجهات وتصاعد الخلاف مع إريتريا في مشهد يعيد إلى الواجهة أزمات سياسية وأمنية ممتدة داخل الدولة الإثيوبية منذ سنوات.

وفي الوقت الذي تحاول فيه أديس أبابا ربط جانب من أزماتها الحالية بأطراف خارجية تكشف الوقائع أن جذور المشهد الإثيوبي الراهن أعمق بكثير وترتبط بصراعات داخلية وتوترات إقليمية سابقة بينما يظل الخلاف الحقيقي والمعلن مع مصر متركزًا أساسًا حول سد النهضة وإدارة مياه النيل.

وقد نفت القاهرة رسميًا الاتهامات الإثيوبية بشأن التدخل في الشؤون الداخلية مؤكدة التزامها باحترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وشهد شمال إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا عسكريًا واسعًا بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي وحلفائها بعد انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022.

وتقدمت القوات الحكومية باتجاه ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي بينما شهدت مناطق تيغراي وأمهرة وعفر مواجهات متجددة وسط مخاوف من انزلاق البلاد مرة أخرى إلى حرب واسعة.

كما وصلت تداعيات الأزمة إلى العاصمة أديس أبابا مع تصاعد الحديث عن هجمات استهدفت مواقع عسكرية بالتزامن مع اتساع رقعة التوتر في شمال البلاد.

والصراع الإثيوبي الحالي لا يمكن فصله عن الحرب التي اندلعت عام 2020 بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي واستمرت حتى توقيع اتفاق السلام في نوفمبر 2022.

ومع تجدد القتال تبدو العديد من الملفات التي كان يفترض أن يعالجها الاتفاق قد عادت إلى السطح من جديد في ظل خلافات سياسية وأمنية لم تحسم بالكامل.

كما أن الاضطرابات لم تقتصر خلال السنوات الماضية على تيغراي وحدها بل شملت مناطق أخرى مثل أمهرة وأوروميا بما يعكس تعقيد البنية السياسية والأمنية الداخلية في إثيوبيا.

وأصبح المشهد أكثر تعقيدًا بعد الانقلاب الكبير في العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا حيث كانت أسمرة حليفًا للقوات الفيدرالية الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة قبل أن تتحول العلاقة بين البلدين إلى مواجهة سياسية حادة.

وفي الأول من أكتوبر 2026 أعلنت إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا بعد قرار أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين.

وبذلك أصبحت إثيوبيا تواجه في وقت واحد توترات داخلية واسعة وأزمة متفاقمة مع دولة كانت قبل سنوات قليلة حليفًا عسكريًا مباشرًا لها.

أما العلاقة بين مصر وإثيوبيا فإن أبرز ملفاتها الخلافية يظل سد النهضة حيث يقوم الموقف المصري المعلن منذ سنوات على عدم الاعتراض على حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء مقابل ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحكم ملء وتشغيل السد ويحمي مصالح دولتي المصب خصوصًا خلال فترات الجفاف.

وتقول وزارة الخارجية المصرية إن مصر خاضت أكثر من 13 عامًا من المفاوضات وإن مسار التفاوض انتهى في ديسمبر 2023 بعد عدم التوصل إلى اتفاق مع اتهام إثيوبيا بالتمسك بإجراءات أحادية وعدم قبول حلول وسط فنية وقانونية.

كما أكدت القاهرة في خطاب رسمي إلى مجلس الأمن عام 2024 رفضها للسياسات الأحادية الإثيوبية معتبرة أن استمرار الملء والتشغيل دون اتفاق يمثل فرضًا للأمر الواقع ويهدد مصالح دولتي المصب.

ويؤكد الموقف المصري أن الخلاف لا يتعلق بحق إثيوبيا في توليد الكهرباء أو تحقيق التنمية وإنما ينصب على وجود قواعد واضحة ومتفق عليها تمنع وقوع ضرر جسيم على دولتي المصب وتحدد آليات التعامل مع سنوات الجفاف والنقص المائي.

وتشدد مصر على أن التعاون في حوض النيل يجب أن يقوم على الاستخدام المنصف والمعقول للمياه وعدم الإضرار بالدول الأخرى وهي المبادئ التي تقول إنها سعت إلى ترسيخها خلال سنوات التفاوض.

ويمثل طول فترة التفاوض أحد أبرز أسباب الاحتقان في الملف فمنذ بدء أزمة سد النهضة عقدت عشرات الجولات والاجتماعات بين مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة وسطاء وجهات دولية وإفريقية لكن دون الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل.

وفي ديسمبر 2023 أعلنت مصر انتهاء أحدث مسار تفاوضي وقالت إن الموقف الإثيوبي استمر في رفض حلول توفيقية يمكن أن تراعي مصالح الدول الثلاث.

ويستمر الموقف المصري في التأكيد على ضرورة وجود اتفاق ملزم بينما تنطلق أديس أبابا من رؤية تمنحها مساحة أوسع في إدارة السد وفق تصوراتها السيادية والتنموية.

والتطورات الحالية في تيغراي والتوتر في أمهرة وعفر والخلاف المتصاعد مع إريتريا وانهيار أجزاء من ترتيبات ما بعد حرب 2020 و2022 كلها تكشف أن الأزمة الإثيوبية الراهنة لها جذور سياسية وأمنية داخلية وإقليمية متشابكة.

ولهذا فإن ملف سد النهضة يجب أن يبقى في إطاره الحقيقي باعتباره نزاعًا مائيًا وسياسيًا بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن قواعد ملء وتشغيل سد ضخم على النيل الأزرق وليس مدخلًا لتفسير كل ما يجري داخل الدولة الإثيوبية.

ورغم تعثر المفاوضات ظل الخطاب المصري الرسمي يؤكد أن القاهرة دعمت الحلول السلمية والتعاونية مع الاحتفاظ بحقها في حماية أمنها المائي وفق القانون الدولي.

كما اتفقت مصر والسودان في بيانات مشتركة على رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي والتأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل وعادل وملزم قانونيًا بشأن ملء وتشغيل السد.

وبينما تنشغل إثيوبيا اليوم بأزمات داخلية وإقليمية متصاعدة يبقى ملف سد النهضة شاهدًا على خلاف امتد لأكثر من عقد دون تسوية نهائية.

فالمشكلة لم تكن يومًا في حق الشعب الإثيوبي في التنمية وإنما في كيفية إدارة مورد مائي مشترك يمس حياة وأمن شعوب ثلاث دول وفي غياب اتفاق ملزم يضع قواعد واضحة تمنع الإضرار بالآخرين.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>