تريدون الهجرة؟.. دول أوروبية تقدم منحًا للسكن وترميم البيوت في قرى وجزر صغيرة

في الوقت الذي تعاني فيه بعض القرى والمناطق الريفية والجزر الأوروبية من تراجع أعداد السكان وارتفاع متوسط الأعمار، بدأت حكومات وهيئات محلية في تقديم حوافز مالية وسكنية لجذب سكان جدد، في محاولة لإعادة الحياة إلى المناطق التي تعاني من الهجرة الداخلية وترك المنازل خالية.
وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة أخبارًا عن دول «تدفع الأموال» لمن ينتقل إليها، وهو ما يحمل جانبًا من الحقيقة، لكنه يحتاج إلى توضيح مهم؛ فهذه البرامج ليست في معظم الحالات أموالًا مجانية لمجرد السفر، وإنما منح مرتبطة بشراء أو ترميم منزل، أو العمل عن بُعد، أو الإقامة لفترة محددة، كما أن الحصول على المنحة لا يعني تلقائيًا الحصول على تأشيرة أو إقامة بالنسبة للمواطن المصري.
وفيما يلي أبرز البرامج التي أمكن التحقق من وجودها أو استمرارها في 2026:
إيطاليا.. حتى 100 ألف يورو لشراء وترميم منزل في قرى جبلية
تعد إيطاليا من أبرز الدول التي تحاول مواجهة مشكلة انخفاض عدد السكان في القرى والمناطق الجبلية.
وفي إقليم ترينتينو، يوجد برنامج لدعم شراء وترميم العقارات في عدد من البلديات التي تواجه خطر فقدان السكان. ويمكن أن يصل إجمالي الدعم إلى 100 ألف يورو، منها ما يصل إلى 20 ألف يورو للمساهمة في شراء العقار، ونحو 80 ألف يورو لأعمال الترميم، وفق شروط البرنامج ومواصفات العقار ومكانه.
ويستهدف البرنامج عددًا من البلديات الجبلية الصغيرة، ويشترط استخدام العقار للسكن أو وفق شروط الإيجار المحددة، مع الالتزام بالاحتفاظ به واستخدامه وفق القواعد لفترة طويلة قد تصل إلى 10 سنوات.
وتؤكد تقارير إيطالية حديثة استمرار تمويل البرنامج خلال 2026، مع تخصيص موارد إضافية لمواجهة ظاهرة هجر القرى الجبلية.
لكن بالنسبة للمصريين، هناك نقطة مهمة: الحصول على المنحة لا يلغي متطلبات الهجرة والإقامة في إيطاليا، وبالتالي يجب أولًا التأكد من إمكانية الحصول على الإقامة المناسبة قبل اتخاذ قرار شراء عقار.
سردينيا.. منحة تصل إلى 15 ألف يورو للسكن في القرى الصغيرة
تقدم جزيرة سردينيا الإيطالية حوافز لمواجهة تراجع أعداد السكان في بعض المناطق الصغيرة.
وتتضمن المبادرة دعمًا يصل إلى 15 ألف يورو للمساعدة في شراء أو ترميم منزل في بلديات يقل عدد سكانها عن 3 آلاف نسمة، على أن يستخدم العقار كمسكن رئيسي، وألا تتجاوز المنحة نسبة معينة من قيمة المشروع.
كما توجد حوافز أخرى مرتبطة بزيادة عدد السكان ودعم الأسر في بعض البلديات الصغيرة.
لكن الصورة المتداولة على مواقع التواصل تحتاج إلى تدقيق: الـ15 ألف يورو ليست راتبًا يحصل عليه الشخص لمجرد انتقاله إلى سردينيا، وإنما مساهمة مرتبطة بالسكن وشراء أو ترميم عقار واستيفاء شروط البرنامج. كما أن بعض جولات التمويل تكون مرتبطة بدعوات تقديم محددة، لذلك يجب مراجعة البلدية أو الجهة الإقليمية المختصة قبل اتخاذ أي خطوة.
أيرلندا.. حتى 84 ألف يورو لترميم المنازل المهجورة في الجزر
ومن أكثر البرامج التي أثارت اهتمام الراغبين في الانتقال إلى أوروبا برنامج «جزرنا الحية» في أيرلندا.
وتعمل الحكومة الأيرلندية على دعم المجتمعات الموجودة في الجزر الواقعة قبالة سواحل البلاد، ومن بين الإجراءات المعتمدة زيادة قيمة منحة إعادة تأهيل العقارات الشاغرة والمهجورة في الجزر.
وتصل المنحة إلى 60 ألف يورو للعقار الشاغر، بينما يمكن أن تصل إلى 84 ألف يورو للعقار المهجور، بسبب ارتفاع تكاليف أعمال البناء في الجزر.
وتستهدف السياسة الحكومية إعادة استخدام المنازل الخالية وتحويلها إلى مساكن طويلة الأجل، إضافة إلى دعم البنية التحتية والعمل عن بُعد والحفاظ على المجتمعات المحلية.
وهنا أيضًا توجد معلومة شديدة الأهمية: أيرلندا لا تمنح المصري 84 ألف يورو لمجرد أن يقرر الهجرة إليها.
فالمنحة مرتبطة بعقار مؤهل لأعمال التجديد، وتحتاج إلى استيفاء شروط البرنامج، كما أن المنحة نفسها لا تمنح حق الإقامة أو التأشيرة للمواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي.
إسبانيا.. منح للعاملين عن بُعد في المدن والقرى الصغيرة
أما إسبانيا فلديها نموذج مختلف، يعتمد على جذب العاملين عن بُعد والبدو الرقميين إلى إقليم إكستريمادورا، الذي يسعى إلى زيادة عدد السكان وتنشيط المناطق الريفية.
وبحسب البرنامج الحكومي، وصلت قيمة الدعم في البرنامج الأول إلى 10 آلاف يورو لبعض الفئات، من بينها من تقل أعمارهم عن 30 عامًا، والنساء، ومن يسجل إقامته في بلدية يقل عدد سكانها عن 5 آلاف نسمة، بينما تبلغ المنحة 8 آلاف يورو للمتقدمين الآخرين الذين تنطبق عليهم الشروط.
وتوجد شروط تتعلق بالعمل عن بُعد والإقامة، إذ يتعين على المستفيدين الالتزام بالإقامة والتسجيل في إكستريمادورا لمدة 24 شهرًا متواصلة وفق شروط البرنامج.
وهذا النوع من البرامج قد يكون أكثر إثارة لاهتمام المصريين الذين يعملون عبر الإنترنت أو يمتلكون أعمالًا رقمية، لكن يجب التفرقة بين المنحة المحلية وبين متطلبات الحصول على الإقامة الإسبانية المناسبة.
سويسرا.. 25 ألف فرنك للبالغ في قرية ألبينين
ومن أشهر الأمثلة التي انتشرت على الإنترنت قرية ألبينين السويسرية، التي أعلنت برنامجًا لجذب سكان جدد إليها.
وتنص الشروط المعروفة للبرنامج على حافز يبلغ 25 ألف فرنك سويسري للشخص البالغ و10 آلاف فرنك للطفل، مع اشتراطات من بينها الاستثمار في عقار بقيمة لا تقل عن 200 ألف فرنك، والالتزام بالإقامة في القرية لمدة 10 سنوات.
لكن هذه الحالة تحديدًا لا تصلح لتقديمها باعتبارها «فرصة هجرة مفتوحة للمصريين»، إذ ترتبط الأهلية بوضع الإقامة في سويسرا، وتحتاج الجنسية الأجنبية إلى وضع إقامة مناسب.
هل يستطيع المصريون الاستفادة من هذه البرامج؟
الإجابة ليست «نعم» أو «لا» بشكل مطلق.
فهناك فرق كبير بين الأهلية للحصول على منحة محلية وبين الحق في دخول الدولة والإقامة فيها.
فإذا كان البرنامج يسمح للأجانب بالتقدم، فهذا لا يعني أن المواطن المصري يستطيع السفر مباشرة والحصول على إقامة لمجرد وجود المنحة.
وفي حالة أيرلندا مثلًا، توضح المعلومات الخاصة بالبرنامج أن منحة العقارات لا تمنح غير الأوروبيين حق الإقامة في البلاد.
والأمر نفسه ينطبق بصورة عامة على البرامج الإيطالية والإسبانية؛ إذ يجب أن يكون لدى المتقدم أساس قانوني للإقامة، مثل تأشيرة مناسبة أو تصريح إقامة يستوفي شروط الدولة.
لماذا تقدم الدول هذه الأموال؟
السبب الرئيسي ليس «الكرم» أو توزيع الأموال على المهاجرين، وإنما مواجهة مشكلة ديموغرافية واقتصادية.
فالعديد من القرى الأوروبية تعاني من هجرة الشباب إلى المدن الكبرى، وانخفاض أعداد المواليد، وارتفاع متوسط أعمار السكان.
وبالتالي تحاول الحكومات إعادة السكان إلى هذه المناطق من خلال:
- ترميم المنازل المهجورة.
- تشجيع شراء العقارات القديمة.
- جذب العاملين عن بُعد.
- دعم إنشاء المشروعات الصغيرة.
- الحفاظ على المدارس والخدمات المحلية.
- تنشيط الاقتصاد والسياحة.
- منع اختفاء المجتمعات الصغيرة.
ولهذا السبب نجد أن قيمة الدعم قد تبدو كبيرة جدًا، لكنها غالبًا مرتبطة بتكلفة مشروع أو عقار أو التزام طويل الأجل.
قبل أن تحزم حقائبك.. انتبه لهذه النقطة
أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه الراغب في الاستفادة من هذه البرامج هو التعامل معها باعتبارها «منحة هجرة».
ففي الواقع، قد تحتاج إلى شراء العقار بأموالك أولًا، ثم تنفيذ أعمال الترميم، وبعد ذلك الحصول على الدعم وفق المستندات والقواعد المعمول بها.
وفي بعض البرامج يجب الالتزام بالسكن في العقار لسنوات طويلة، بينما يشترط بعضها العمل عن بُعد أو تأسيس نشاط اقتصادي.
كما أن بعض البرامج تفتح باب التقديم في فترات محددة فقط، وقد تنتهي المخصصات المالية قبل تقدم جميع الراغبين.
الخلاصة
توجد بالفعل برامج أوروبية حقيقية تقدم حوافز مالية أو دعمًا سكنيًا لجذب السكان إلى القرى والجزر والمناطق التي تعاني من انخفاض عدد السكان.
وتبرز من بينها برامج في إيطاليا وأيرلندا وإسبانيا، مع نماذج أخرى في دول أوروبية مختلفة.
لكن العبارة الأدق ليست أن «هذه الدول تدفع للمصريين مقابل الهجرة»، وإنما أن بعض المناطق تقدم منحًا وحوافز مالية لمن يستوفي شروط الاستقرار أو شراء وترميم العقارات أو العمل عن بُعد.
وبالنسبة للمصري الراغب في الاستفادة، فإن الخطوة الأولى ليست البحث عن قيمة المنحة فقط، وإنما التأكد من ثلاثة أمور: حق الدخول والإقامة، شروط البرنامج المحلي، والقدرة المالية على تنفيذ الالتزامات المطلوبة.
وبذلك تتحول الفكرة من مجرد عنوان جذاب على مواقع التواصل إلى فرصة يمكن تقييمها بصورة واقعية وقانونية.