يونيو نيوز
رئيس التحريرمحمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذيالرفاعي عيد

«مجتمع فقد رشده.. بث مباشر بعقول محظورة»

لم يعد السؤال الذي يدور في أذهان الجميع، ماذا قدم العلماء، ولا ماذا أنجز الباحثون، ولا ما الذي أضافه أصحاب الفكر والإبداع إلى المجتمع، بل أصبح السؤال الذي يشغل قطاعًا من جمهور مواقع التواصل الاجتماعي ماذا فعل شاكر محظور في البث الأخير، وكم جمع من الهدايا، ومن دخل معه في مواجهة، وكم بلغ عدد المشاهدين، وكأننا أمام حدث قومي يستوجب المتابعة والتحليل، وربما إصدار بيان رسمي يطمئن المواطنين إلى أن الب…

اقرأ بالحجم المناسب لك
لم يعد السؤال الذي يدور في أذهان الجميع، ماذا قدم العلماء، ولا ماذا أنجز الباحثون، ولا ما الذي أضافه أصحاب الفكر والإبداع إلى المجتمع، بل أصبح السؤال الذي يشغل قطاعًا من جمهور مواقع التواصل الاجتماعي ماذا فعل شاكر محظور في البث الأخير، وكم جمع من الهدايا، ومن دخل معه في مواجهة، وكم بلغ عدد المشاهدين، وكأننا أمام حدث قومي يستوجب المتابعة والتحليل، وربما إصدار بيان رسمي يطمئن المواطنين إلى أن البث انتهى بسلام.

ولأننا نعيش عصرًا بالغ التقدم، فقد أصبح من الطبيعي أن يتراجع الحديث عن العلم والعمل والإنتاج أمام أخبار البث المباشر، وأن يتحول شخص يجلس أمام كاميرا هاتفه إلى مادة تتصدر المشهد، بينما يقف أصحاب الإنجازات الحقيقية في طابور طويل انتظارًا لفرصة ظهور قد لا تأتي أبدًا.

والمفارقة الأكثر إثارة للدهشة أن شاكر محظور لم يعد إلى جمهوره من رحلة علمية، ولم يرجع حاملًا جائزة دولية، ولم يحقق اكتشافًا يغير حياة البشر، وإنما عاد إلى منصات التواصل بعد خروجه من السجن، إثر قضية تتعلق بمحتوى نشره على الإنترنت وانتهت بإدانته قضائيًا، فضلًا عن تحقيقات واتهامات أخرى تناولتها وسائل الإعلام، من بينها شبهات غسل أموال، وهي اتهامات لا يجوز التعامل معها باعتبارها جرائم ثابتة ما لم يصدر بشأنها حكم قضائي نهائي.

وللإنصاف، فإن القضية المنفصلة التي ارتبطت باتهامات تتعلق بالمخدرات والسلاح انتهت بالبراءة وفق التقارير المنشورة، وهو ما يجب التأكيد عليه، لأننا لا نحاكم الرجل في هذا المقال، ولا نملك أن نصدر أحكامًا بدلًا من القضاء، وإنما نحاكم ظاهرة اجتماعية أصبحت تستحق قدرًا من القلق يفوق بكثير ما تستحقه من الضحك.

والأعجب أن الخروج من السجن، الذي يفترض أن يكون مناسبة لمراجعة التجربة والتفكير فيما مضى، تحول في المشهد الإلكتروني إلى فصل جديد من فصول الشهرة، وكأن السيرة المثيرة للجدل أصبحت عنصرًا إضافيًا من عناصر الجذب، لا سببًا يدفع الجمهور إلى التوقف والتأمل.

وهنا لا بد أن نعترف بأن المشكلة ليست في شاكر محظور وحده، فالرجل لم يقتحم بيوتنا، ولم يصادر أجهزة التحكم في هواتفنا، ولم يجبر أحدًا على متابعته، وإنما وجد جمهورًا يمنحه المشاهدة، ويصنع له الانتشار، وربما يدفع من ماله ليضمن استمرار العرض، فقدم ما يطلبه السوق، والسوق هنا ليس مؤسسة اقتصادية غامضة، بل نحن بكل بساطة.

لقد أصبحنا أمام مجتمع يستطيع أن يمنح ساعات طويلة من اهتمامه لمشاجرة إلكترونية، ثم يشكو في نهاية اليوم من ضياع الوقت، ويتابع المحتوى الذي يصفه بالتافه، ثم يتساءل باستنكار عن سر شهرة أصحابه، ويشارك المقاطع الساخرة منهم حتى تصل إلى ملايين المشاهدات، ثم يعلن في منشور شديد الوقار أن المجتمع فقد بوصلته.

والحقيقة أننا لم نفقد البوصلة تمامًا، وإنما أصبحنا نستخدمها أحيانًا لمعرفة اتجاه البث المباشر الأكثر إثارة.

لكن ما يجري لم يعد مجرد مشهد هزلي نضحك عليه ثم نواصل حياتنا، فقد أصبحت هذه الظاهرة تطرح سؤالًا أكثر خطورة يتعلق بمستقبل الشباب، وبالقيمة التي يمنحها المجتمع للعمل، وبالرسالة التي تصل إلى جيل يحاول أن يبدأ حياته وسط ظروف اقتصادية صعبة، ويبحث عن فرصة حقيقية لبناء مستقبله.

تخيل شابًا قضى سنوات في الدراسة، وأنفق أهله ما استطاعوا على تعليمه، ثم خرج إلى سوق العمل ليكتشف أن راتبه بالكاد يغطي احتياجاته الأساسية، وأن عليه أن يعمل سنوات طويلة حتى يستطيع تأسيس بيت أو تحقيق قدر من الاستقرار، ثم يفتح هاتفه ليشاهد حديثًا عن ملايين الجنيهات التي قد يجنيها أحد مشاهير البث المباشر من هدايا إلكترونية في وقت قصير، دون أن يكون واضحًا أصلًا مدى دقة الأرقام المتداولة أو صافي العائد الحقيقي.

أي رسالة تصل إلى هذا الشاب، وأي صورة تتشكل في ذهنه عن قيمة العلم والعمل والاجتهاد، حين يرى أن المجتمع الذي يطالبه بالصبر والكفاح يمنح اهتمامه وأمواله لمن يجيد جذب الأنظار وإثارة الجدل أكثر مما يمنحها لمن ينتج أو يبتكر أو يعلم أو يصنع.

إن الخطر ليس أن يربح شخص من الإنترنت، فهناك صناع محتوى يقدمون علمًا وفنًا ومعرفة ويستحقون ما يحققونه من نجاح، وإنما أن تصبح الشهرة منفصلة عن القيمة، وأن يتحول الاستفزاز إلى مهارة اقتصادية، وأن يبدو الطريق إلى الثراء في أعين بعض الشباب أقصر عبر الضجيج منه عبر العمل.

وهنا لا نحتاج إلى كثير من الخيال لنتصور حجم الخلل الذي قد يصيب مفهوم القدوة، حين يجد الشاب نفسه أمام مجتمع يحتفي بصاحب البث المباشر، ويمنحه ساعات من الاهتمام، بينما لا يعرف أسماء العلماء الذين يحققون الإنجازات، ولا يتوقف طويلًا أمام عامل ماهر أو معلم مخلص أو طبيب يقضي ليله في إنقاذ حياة إنسان.

ولعلنا نقترب من لحظة يصبح فيها من الضروري أن نعتذر لأبنائنا لأننا أقنعناهم سنوات طويلة بأن العلم طريق المستقبل، ثم تركناهم يشاهدون بأعينهم كيف يمكن أن تتقدم الشهرة على المعرفة، والضوضاء على الإنجاز، والاستعراض على الإنتاج.

أما المحتوى الذي صنع شهرة شاكر محظور، فيدور جانب منه حول البث المباشر والتفاعل مع المتابعين والجولات الإلكترونية والهدايا الرقمية، وهو نشاط قد يراه البعض ترفيهًا، بينما يرى آخرون أن ما صاحبه من جدل ومقاطع أثارت اعتراضات واسعة يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة ما نقدمه للأجيال الجديدة تحت لافتة صناعة المحتوى.

وليس مطلوبًا من كل من يحمل هاتفًا أن يقدم محاضرة في الفيزياء النووية، ولا أن يشرح نظرية النسبية قبل أن يبدأ البث، فالترفيه حق مشروع، والضحك ضرورة إنسانية، لكن المأساة تبدأ عندما يصبح الصخب بديلًا عن الموهبة، والاستفزاز طريقًا إلى الشهرة، وعدد المشاهدات المعيار الوحيد للحكم على النجاح.

وحين تتداول وسائل الإعلام أرقامًا ضخمة عن أرباح البث والهدايا الإلكترونية، وتثار بلاغات وتساؤلات حول مصادر الأموال وشبهات غسلها، فإن القضية تتجاوز حدود الترفيه إلى أسئلة اقتصادية وقانونية تستحق الفحص، مع ضرورة التمييز بين الأموال المكتسبة بصورة مشروعة وبين أي أموال قد يثبت ارتباطها بنشاط غير مشروع، فليس كل ربح كبير جريمة، ولا كل اتهام حقيقة، ولا كل مشهور مدانًا لمجرد أن الناس اختلفوا حوله.

لكن من حق المجتمع أيضًا أن يتساءل عن طبيعة هذه الأموال وآليات انتقالها والرقابة عليها، وعن مدى الالتزام بالقوانين الضريبية والمالية، وعن قدرة الجهات المختصة على التمييز بين النشاط الرقمي المشروع وأي استغلال محتمل للمنصات في ممارسات مخالفة للقانون، لأن حماية الاقتصاد والمجتمع لا تتعارض مع احترام قرينة البراءة، بل تبدأ من تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

والسؤال الذي يعنينا هنا أعمق من ملف قضائي، وأخطر من قيمة الهدايا الإلكترونية، كيف وصلنا إلى مجتمع يمكن أن يتحول فيه شخص خرج من السجن بعد إدانته في قضية محتوى إلى نجم يتسابق البعض على متابعته، بينما يعجز كثير من أصحاب المعرفة عن الحصول على جزء ضئيل من هذا الاهتمام؟من الذي أقنع الأجيال الجديدة بأن الشهرة إنجاز في حد ذاتها، وأن الثراء السريع دليل نجاح مهما كانت طبيعة الطريق إليه، وأن من يجيد إثارة الجدل قد يتقدم في سباق الاهتمام على من أمضى عمره في التعلم والعمل والإنتاج؟إننا نخشى أن تتحول هذه المشاهد المتكررة إلى ثقافة كاملة تستخف بالعمل الجاد، وتزرع الإحباط في نفوس الشباب، وتدفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن الجهد الطويل لا يستحق العناء، وأن الطريق إلى النجاح يبدأ بكاميرا وينتهي بهدايا إلكترونية، وبين البداية والنهاية لا ضرورة لعلم أو موهبة أو إنجاز.

وإذا كانت هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة أن الشباب سيتخلون عن أعمالهم أو دراستهم، فإن تجاهل تأثيرها المحتمل في تصوراتهم عن النجاح والقدوة سيكون خطأ لا يقل خطورة عن المبالغة في وصفها، لأن المجتمعات لا تتغير فجأة، وإنما تتغير تدريجيًا حين تتبدل المعايير وتختلط الأولويات.

لقد شاركنا جميعًا، بدرجات متفاوتة، في صناعة هذا المشهد، جمهور يكافئ ما يستهلك وقته، ومنصات رقمية تستثمر في جذب الانتباه، وإعلام يلهث أحيانًا وراء الترند، حتى لو كان الترند نفسه إعلانًا صريحًا عن أزمة في الذوق العام وترتيب الأولويات.

والمؤسف أن بعضنا يطالب بإصلاح المجتمع وهو يساهم يوميًا في الترويج لما ينتقده، فكل مشاهدة تمنح انتشارًا، وكل مشاركة توسع دائرة الشهرة، وكل تعليق غاضب قد يتحول إلى وقود إضافي لخوارزميات لا تفرق بين الإعجاب والاستنكار بقدر ما تهتم باستمرار التفاعل.

ولذلك فإن شاكر محظور ليس أصل الحكاية، وإنما أحد عناوينها، ولو اختفى غدًا لظهر غيره، وربما بصورة أكثر إثارة، لأن المشكلة لا تتعلق باسم الشخص الجالس أمام الكاميرا، وإنما بالملايين التي تنتظر ما سيقوله، وبمنظومة كاملة جعلت من جذب الانتباه صناعة تتقدم فيها الإثارة أحيانًا على القيمة.

ومن هنا يصبح الحديث عن مسؤولية المنصات الرقمية ضرورة لا ترفًا، فحرية التعبير لا تعني غياب الضوابط، والربح من الإنترنت لا ينبغي أن يكون بمنأى عن الرقابة المالية والقانونية، كما أن حماية الشباب تتطلب سياسات واضحة تجاه المحتوى المخالف، وشفافية في التعامل مع الهدايا والمعاملات المالية، ومحاسبة من تثبت مخالفته وفق أحكام القانون.

ولعل المطالبة بإغلاق تطبيق تيك توك بالكامل تعكس حجم الغضب الذي تثيره هذه الظواهر لدى البعض، لكنها تطرح بدورها سؤالًا عن مدى جدوى معاقبة ملايين المستخدمين وصناع المحتوى الجاد بسبب تجاوزات البعض، وما إذا كان تطبيق القوانين والرقابة الفعالة على المحتوى والمعاملات المالية أكثر قدرة على معالجة المشكلة من مجرد إغلاق منصة قد ينتقل مستخدموها إلى غيرها.

أما المسؤولية الأكبر فتقع على المجتمع نفسه، الذي يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيمة العمل الحقيقي، وإلى إعلام يضع أصحاب الإنجازات في مكانتهم المستحقة، وإلى تعليم يربط النجاح بالمعرفة والمهارة والإنتاج، وإلى خطاب عام لا يقدم الثراء السريع باعتباره الغاية الكبرى من الحياة.

ولعلنا نحتاج إلى قدر من الشجاعة لنعترف بأننا لم نعد فقط نتابع التفاهة، بل أصبحنا نمنحها المكانة والمال والوقت، ثم نبحث عن جهة مجهولة نحملها مسؤولية تراجع الوعي.

والأكثر مرارة أن طفلًا قد ينظر اليوم إلى عالم أفنى عمره في البحث، ثم ينظر إلى صانع بث مباشر تحيط به أرقام المشاهدات والهدايا، فيستنتج بمنطقه البسيط أن سنوات الدراسة ليست بالضرورة الطريق الأكثر جاذبية إلى النجاح، وأن امتلاك هاتف وجمهور قد يكون أكثر إغراءً من امتلاك علم أو مهارة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لا في شاكر محظور، ولا في خروجه من السجن، ولا حتى في الجدل حول أمواله، وإنما في الرسالة التي نرسلها إلى الأجيال الجديدة كلما احتفلنا بالشهرة دون أن نسأل عن قيمتها، وكلما انبهرنا بالأرقام قبل أن نتأمل ما وراءها.

إننا لا نطالب بمنع الترفيه، ولا بمصادرة حق الناس في الاختيار، ولا بتحويل مواقع التواصل إلى فصول دراسية، وإنما نطالب فقط بألا يصبح العبث نموذجًا للنجاح، وألا تتحول الشهرة إلى صك اجتماعي يمنح صاحبها مكانة لا علاقة لها بما يقدمه.

فالشباب هم الثروة الحقيقية لأي وطن، والعمل والإنتاج هما الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات، وإذا تراجع الإيمان بقيمة الجهد، واختلطت مفاهيم النجاح، وأصبح الطريق إلى الشهرة أكثر إغراءً من الطريق إلى المعرفة، فإننا نكون أمام أزمة لا تعالجها حملة إلكترونية غاضبة، ولا ينهيها حظر حساب أو إغلاق تطبيق.

وفي النهاية، لا أعتقد أن السؤال الصحيح هو كيف عاد شاكر محظور إلى صدارة المشهد بعد خروجه من السجن، بل كيف أصبح لدينا جمهور يصنع من هذه العودة حدثًا يستحق كل هذا الاهتمام.

فالرجل خرج من السجن، وهذا شأن تحكمه أحكام القضاء، أما السؤال الذي لم نجد له إجابة بعد فهو متى نخرج نحن من سجن التفاهة الذي صنعناه بأيدينا، وأغلقنا أبوابه على عقولنا، ثم جلسنا أمام شاشات هواتفنا ننتظر البث التالي.

والسخرية الكبرى أننا ربما نحتاج في النهاية إلى بث مباشر يشرح لنا كيف وصلنا إلى هذا المستوى، والأرجح أنه سيحقق ملايين المشاهدات. 

تابع يونيو نيوز

أخبار لحظة بلحظة على منصاتنا

منصات يونيو