عيد أحمد عيد يكتب: متى يحق للشرطة استيقافك؟

هناك فرق كبير بين أن يسألك رجل الشرطة سؤالًا في الطريق، وبين أن تكون مقبوضًا عليك. المشكلة أن الناس تتعامل مع الموقفين غالبًا باعتبارهما شيئًا واحدًا، فتدخل في حالة خوف أو صدام قبل أن تعرف أصلًا ما طبيعة الإجراء الذي يجري أمامها. ومن هنا تأتي أهمية فهم معنى الاستيقاف وحدوده.
الاستيقاف في القضاء المصري ليس قبضًا بالمعنى القانوني. هو إجراء من إجراءات التحري يجيز لرجل السلطة العامة أن يوقف شخصًا ويسأله عن هويته أو حقيقة موقفه عندما توجد ظروف موضوعية تبرر الاشتباه. الفكرة هنا ليست أن رجل الشرطة يملك أن يوقف أي شخص بلا سبب، ولا أن كل سؤال في الشارع اعتداء على الحرية. المعيار هو وجود موقف مريب يبرر التدخل للكشف عن حقيقته.
محكمة النقض رسخت عبر سنوات طويلة أن الاستيقاف يكون مشروعًا إذا وضع الشخص نفسه طواعية واختيارًا في موضع الريبة والظن، وكان هذا الوضع ينبئ عن ضرورة تستلزم تدخل رجل السلطة للتحري. وهذا التعبير مهم لأنه يضع حدًا بين الاشتباه القائم على وقائع وبين الظن الشخصي المجرد.
فمثلًا، مجرد مظهر الشخص أو ملابسه أو طبقته الاجتماعية لا يصنع في ذاته مبررًا قانونيًا للاستيقاف. وكذلك لا يمكن تحويل كل ارتباك طبيعي إلى قرينة جنائية. القضاء نفسه شدد في أحكام على أن مظاهر الحيرة أو الارتباك أو التصرفات التي لا تخرج عن طبائع الأمور لا تكفي وحدها دائمًا لبناء إجراء يمس الحرية.
وفي المقابل، قد تظهر واقعة واضحة تجعل السؤال مشروعًا: تصرف غير معتاد مرتبط بمكان أو زمان وظروف محددة، محاولة التخلص من شيء على نحو يثير الشك، سلوك يكشف احتمال ارتكاب مخالفة أو جريمة، أو وضع يتطلب التحقق من الهوية في إطار قانوني. هنا يصبح الاستيقاف وسيلة تحرٍ لا عقوبة.
المواطن بدوره يحتاج إلى قدر من الهدوء. إذا استوقفك رجل شرطة، فالرد المهذب على طلب إثبات الشخصية أو السؤال عن سبب الاستيقاف أفضل من الدخول في مشادة. يمكنك أن تسأل بهدوء عن سبب الإجراء، وأن تتجنب أي حركة قد تفسر على أنها مقاومة أو محاولة إخفاء شيء. معرفة الحق لا تعني افتعال الصدام.
المشكلة تبدأ إذا تجاوز الاستيقاف حدوده وتحول إلى تقييد فعلي للحرية من دون سند قانوني. كلما أصبح الشخص غير قادر على الانصراف، أو تعرض لتفتيش كامل أو تقييد جسدي، نقترب من مفهوم القبض، وهنا ترتفع الضمانات المطلوبة قانونًا.
ومن المهم أيضًا أن ننتبه إلى توقيت تطبيق القانون. حتى 30 سبتمبر 2026 يظل قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 هو الإطار الإجرائي العام الساري، ويبدأ العمل بالقانون رقم 174 لسنة 2025 اعتبارًا من 1 أكتوبر 2026. لذلك فإن تحديد صحة الإجراء يحتاج دائمًا إلى النظر إلى القانون الساري في تاريخ الواقعة نفسها.
أرى أن أفضل حماية للمواطن هي أن يفهم الفارق بين السؤال والتقييد، وبين التحري والقبض، وبين الاشتباه القائم على وقائع والاشتباه الذي لا يستند إلى شيء. الشرطة تحتاج إلى مساحة قانونية للتحري، والمواطن يحتاج إلى حماية حريته، والقانون وُجد لضبط المسافتين معًا. لا كل استيقاف قبض، ولا كل استيقاف مشروعًا لمجرد أن من قام به رجل سلطة.