في واقعة إنسانية مؤثرة، اجتمع الحزن والفخر في حياة أسرة المستشارة رانيا الهلباوي عمر، المستشارة بهيئة قضايا الدولة، بعدما أُعلن منحها درجة الدكتوراه بتقدير عام «جيد جداً»، عن رسالتها «التأصيل التاريخي والتأسيس الفلسفي عن تجريم الإرهاب»، في اليوم نفسه الذي وافتها فيه المنية، بحسب ما أعلنته أسرتها.
خبر كان من المفترض أن تملأه التهاني، فإذا به يأتي محاطاً بالدعوات والدموع، وبين اكتمال رحلة العلم وانتهاء رحلة الحياة، وجد أهلها أنفسهم أمام لحظة يصعب استيعابها، يعتزون بما حققته، ويؤلمهم أنها لم تبقَ لتشاركهم فرحتهم بها.حلم اكتمل وغابت صاحبتهوراء الشهادة سنوات من العمل والاجتهاد، ومحاولات متواصلة للوصول إلى غاية آمنت بها الراحلة وسعت إليها، لم تكن الدكتوراه لقباً يضاف إلى اسمها فحسب، بل ثمرة رحلة علمية اختارت خلالها البحث في موضوع يرتبط بالقانون والفكر، ويتناول الجذور التاريخية والأسس الفلسفية لتجريم الإرهاب.
وعلى امتداد تلك الرحلة، كان هناك حلم شخصي تنتظر صاحبته لحظة اكتماله، وأسرة تترقب معها خبر النجاح، لذلك لم يكن إعلان الدرجة العلمية حدثاً عابراً في حياة أحبائها، بل استعادة لكل ما عرفوه من تعبها، ولكل أمل تعلق بتلك اللحظة.
وصل الحلم إلى نهايته، لكن صاحبته رحلت، وبقي على أهلها أن يحملوا فرحتها في قلوبهم، وأن يرووا للآخرين حكاية إنجاز صار جزءاً من ذكراها.«كان نفسها تشوف اللحظة دي»بهذه العبارة البسيطة، اختصرت أسرتها وجع الحكاية، كلمات قليلة تحمل ألم الغياب عن لحظة طال انتظارها، وتكشف حجم المسافة بين ما تمنوه وما حمله القدر.
وفي نعي امتزجت فيه مشاعر الرضا بالحزن والاعتزاز، أعلنت الأسرة الإنجاز العلمي للراحلة، مؤكدة رغبتها في نشر ثمرة تعبها، وفاءً لما كانت تتمناه، وحتى يشاركها هذا الفخر كل من أحبها ودعا لها.
أراد أهلها أن تُرى الشهادة، وأن يُذكر السعي الذي سبقها، وألا يطغى ألم الرحيل على حقها في أن يُروى خبر نجاحها.
فأصبحت كلماتهم مساحة للوداع والاحتفاء معاً، ينعون فيها غيابها، ويشهدون على ما أنجزته في حياتها.شهادة تحمل معنى أكبر من النجاحتكتسب الشهادات قيمتها من الجهد الذي يقف وراءها، لكنها في حكاية المستشارة رانيا الهلباوي عمر تحمل أيضاً معنى إنسانياً موجعاً، فهي ثمرة تعبها التي بقيت بعد رحيلها، وواحدة من الذكريات التي يستطيع أحباؤها أن يعودوا إليها، ليروا فيها جانباً من طموحها وإصرارها.
وبين اسمها المثبت على الرسالة العلمية، والدعوات التي تتردد على ألسنة محبيها، يبقى الإنجاز حاضراً، شاهداً على مرحلة من حياتها وهبتها للعلم والبحث.
أما أسرتها، التي كانت تنتظر أن تحتفل بها، فقد اختارت أن تجعل من إعلان الدكتوراه وفاءً لذكراها، وأن تمنح الآخرين فرصة معرفتها من خلال سعيها، إلى جانب مشاركتهم الحزن على فقدها.رجاء بأن يكون علمها في ميزان حسناتهاواستهلت الأسرة كلماتها بآيات من القرآن الكريم، من بينها قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾، تعبيراً عن إيمانها بقيمة السعي، ورجائها في رحمة الله وعدله.
وطلبت من الجميع الدعاء للراحلة بالمغفرة والرحمة، وأن يجعل الله علمها واجتهادها في ميزان حسناتها، وأن يلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان على فراقها.
رحلت المستشارة رانيا الهلباوي في يوم اقترن فيه اسمها بالدكتوراه، وبقي أحباؤها أمام شهادة يقرؤونها بفخر وتغلبهم عندها الدموع، كانوا يتمنون أن يقدّموا لها التهنئة، فأصبحوا يرفعون لها الدعاء، ويحملون إلى الناس خبر نجاحها، كما تمنوا أن تحمله هي بصوتها وابتسامتها.
رحمها الله رحمة واسعة، وجعل ما بذلته من علم وسعي في ميزان حسناتها، وربط على قلوب أهلها ومحبيها.



