محمود أبو السعود يكتب.. «حين يصبح الراتب محطة عبور بين الفواتير»

لم تعد الأزمة أن شيئًا واحدًا أصبح غاليًا، الأزمة أن كل شيء أصبح يريد نصيبه من راتب المواطن في اللحظة نفسها، بينما الراتب واحد، الطعام يريد نصيبه، والكهرباء تريد نصيبها، والمياه والغاز والإنترنت والمواصلات والإيجار والمدرسة والدروس والدواء كلها تقف في الطابور نفسه، وما يتبقى إن تبقى شيء مطلوب منه أن يكفي بقية الشهر، هنا تحديدًا تكمن أزمة ربما تكون من أخطر الأزمات التي نعيشها الآن، ليست أزمة ارتفاع سعر سلعة بعينها، ولا موجة غلاء يمكن تجاوزها بالاستغناء عن بعض الكماليات، وإنما أزمة أصبحت تمس «تكلفة الحياة نفسها»، وأصبح السؤال داخل بيوت كثيرة ليس كيف نعيش بشكل أفضل، بل كيف نعبر الشهر دون أزمة جديدة.
زمان كان السؤال في بيوت الطبقة الوسطى «هنوفر كام آخر الشهر؟»، أما اليوم فأصبح السؤال لدى كثيرين «هنكمل الشهر إزاي؟»، والفارق بين السؤالين يلخص تحولات ضخمة حدثت في حياة الأسرة المصرية، لأن الادخار لم يكن مجرد أموال توضع جانبًا، بل كان يمثل الأمان، ومنه يأتي تجهيز الأبناء والزواج والتعليم وشراء سيارة أو تجديد منزل ومواجهة المرض والطوارئ، أما عندما يختفي هذا الهامش ويذهب معظم الدخل إلى الاحتياجات الجارية، يصبح أي ظرف استثنائي قادرًا على هز ميزانية الأسرة بالكامل.
المشكلة أيضًا أن المواطن استنفد تقريبًا قائمة الأشياء السهلة التي يمكن الاستغناء عنها، في البداية كانت الخروجات أقل، ثم المطاعم، ثم الملابس غير الضرورية، ثم السفر والمصايف، ثم تغيير الهاتف أو السيارة، وبعدها بدأ الاقتصاد يدخل إلى قلب البيت نفسه، نوع الطعام، وعدد مرات شراء اللحوم، ومكان التسوق، والمدرسة، وعدد الدروس، وطريقة الانتقال، وحتى زيارة الطبيب أحيانًا أصبحت حسابًا يجب إدخاله في ميزانية الشهر، هنا يصبح الغلاء مختلفًا، لأن الإنسان لم يعد يختار بين الضروري والكمالي فقط، بل يبدأ أحيانًا في الاختيار بين ضروري وضروري آخر.
وجاء موسم المدارس ليكشف هذه الأزمة بصورة أكثر وضوحًا، أسرة لديها طفلان أو ثلاثة لا تواجه فقط مصروفات مدرسة، وإنما زيًا وحقائب وأدوات وكتبًا ومواصلات ودروسًا وأنشطة ومصروفًا يوميًا، وفي الوقت نفسه لا تتوقف فاتورة الكهرباء لأن المدارس بدأت، ولا ينخفض الإيجار، ولا تختفي فاتورة الإنترنت، ولا تتراجع أسعار الطعام، كل الالتزامات تأتي في موعدها، والمواطن هو الطرف الوحيد المطلوب منه أن يجد المعادلة التي تجعل دخلًا واحدًا قادرًا على إرضاء الجميع.
حتى الموظف الذي حصل على زيادة في راتبه قد لا يشعر بأنه أصبح أغنى، لأنه في أحيان كثيرة لا يستخدم الزيادة لتحسين حياته، بل لتعويض جزء مما ارتفع حوله، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فالزيادة الحقيقية في مستوى المعيشة لا تقاس فقط بعدد الجنيهات التي تدخل جيب المواطن، وإنما بما تستطيع هذه الجنيهات شراءه بعد دفع الالتزامات الأساسية، قد يرتفع الرقم المكتوب في مفردات المرتب، بينما تنخفض في الوقت نفسه مساحة الاختيار داخل حياة صاحبه.
ولذلك أيضًا لا يفهم كثير من المواطنين عبارة «التضخم انخفض» بالطريقة التي يستخدمها الاقتصاديون، المواطن يسمع أن معدل التضخم تراجع ثم يذهب إلى السوق فلا يجد الأسعار القديمة قد عادت، فيشعر بوجود تناقض، والحقيقة أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، بل قد يعني ببساطة أنها أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ، فإذا قفزت سلعة من مائة جنيه إلى مائة وخمسين، ثم ارتفعت بعد ذلك بصورة أبطأ، فهي لم تعد إلى المائة، وهذه المسافة بين لغة الأرقام ولغة السوق هي التي تجعل المواطن يسأل، إذا كانت المؤشرات تتحسن فلماذا لا أشعر بذلك في جيبي؟.
لكن القصة الأخطر ليست الفقر وحده، رغم أن الأسر الأكثر احتياجًا تتحمل بالطبع العبء الأكبر، وإنما ما يحدث للطبقة الوسطى نفسها، هذه الطبقة هي الموظف والمهندس والطبيب والمدرس والمحاسب والصحفي وصاحب المشروع المحدود والزوجان اللذان يعملان معًا حتى يحافظا على مستوى معيشة مقبول، هؤلاء ربما لا يظهرون في الصورة التقليدية للفقر، لكن جزءًا منهم يعيش حالة استنزاف مستمرة، لديه بيت وعمل وربما سيارة وأبناء يتعلمون، لكنه يحتاج إلى حساب كل قرار مالي بدقة حتى يحافظ على كل ذلك.
وهنا يظهر نوع جديد من الخوف، الخوف من «المصروف المفاجئ»، عطل في الثلاجة، مشكلة في السيارة، كشف وتحاليل وأدوية، عملية جراحية، جهاز منزلي تلف فجأة، مناسبة عائلية، أو حتى احتياج غير متوقع لأحد الأبناء، أشياء كانت تمثل مصروفًا استثنائيًا يمكن التعامل معه، أصبحت قادرة لدى بعض الأسر على ابتلاع ما تبقى من راتب شهر كامل، وربما دفع الأسرة إلى الاستدانة أو استخدام بطاقة ائتمان أو تأجيل التزام آخر.
وهكذا أصبح كثيرون لا يخافون فقط من ارتفاع الأسعار، وإنما يخافون من أن «يحدث شيء»، وهذه وحدها علامة تستحق التوقف أمامها، لأن الاستقرار الاقتصادي للأسرة لا يعني أن تستطيع دفع فواتيرها في الظروف الطبيعية فقط، وإنما أن تمتلك مساحة تسمح لها بامتصاص صدمة صغيرة دون أن تنهار ميزانيتها.
والأخطر من استنزاف المال هو استنزاف المستقبل، الشاب الذي كان يعمل ويوفر للزواج أصبح أمامه رقم يتغير باستمرار، والأسرة التي كانت توفر لتعليم أبنائها أو تحسين مسكنها قد تستخدم مدخراتها لتغطية الاحتياجات اليومية، ومن كان يخطط لشراء سيارة يؤجل، ومن كان يفكر في مشروع يتردد، ومن كان يريد توسيع أسرته يبدأ في حساب التكلفة قبل أي شيء، حينها لا يبقى الضغط الاقتصادي داخل السوبر ماركت فقط، بل ينتقل إلى القرارات الكبرى في حياة الناس.
راقبوا لغة البيوت وستجدون الأزمة دون الحاجة إلى جدول اقتصادي واحد، «مش ضروري دلوقتي»، «نستنى الشهر الجاي»، «شوف الأرخص»، «بلاش السنة دي»، «نصلحه بدل ما نغيره»، «نأجل الموضوع شوية»، هذه الجمل أصبحت جزءًا من إدارة الحياة، وفي حد ذاتها ليست مشكلة، فترشيد الإنفاق سلوك عقلاني، لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الترشيد من الكماليات إلى الضروريات، وعندما تتحول كلمة «نأجل» من قرار مؤقت إلى أسلوب حياة دائم.
ولا يستطيع أي مجتمع أن يبني شعورًا طويل الأجل بالاستقرار إذا كانت قطاعات واسعة منه مشغولة طوال الوقت بكيفية عبور الشهر الحالي، فالإنسان الذي يشعر بالأمان المالي النسبي يستطيع أن يخطط ويتعلم ويستثمر ويتزوج ويؤسس مشروعًا ويتحمل المخاطرة، أما الإنسان الذي تستنزفه الاحتياجات اليومية فيصبح تفكيره محكومًا بالسؤال الأقرب، ماذا سندفع غدًا؟.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط خفض سعر سلعة هنا أو إقامة معرض مخفض هناك، رغم أهمية كل إجراء يخفف العبء عن المواطنين، وإنما استعادة التوازن بين الدخل وتكلفة الحياة، نحتاج إلى اقتصاد يشعر المواطن بنتائجه عندما يشتري طعامه، ويدفع فاتورته، ويرسل أبناءه إلى المدرسة، ويذهب إلى عمله، ويحتاج إلى العلاج، فالمؤشرات الاقتصادية مهمة، والاستثمارات والنمو والاحتياطيات والاستقرار النقدي كلها ضرورية، لكن الاختبار النهائي لأي تحسن اقتصادي يظل بسيطًا للغاية، ماذا حدث لحياة الإنسان العادي؟.
المواطن لا يفتح بيانات الاقتصاد كل صباح، لكنه يفتح الثلاجة، لا يحسب معدلات النمو وهو ذاهب إلى عمله، لكنه يحسب تكلفة المواصلات، ولا يراجع المؤشرات المالية عندما يمرض ابنه، وإنما يسأل عن سعر الكشف والدواء، ولذلك فإن الاقتصاد بالنسبة إليه ليس رقمًا في تقرير، وإنما ما يتبقى في جيبه بعد أن يدفع ثمن حياته.
والمصري أثبت خلال سنوات طويلة قدرة كبيرة على التكيف، يقلل، ويؤجل، ويبحث عن البديل، ويعمل عملًا إضافيًا، وتعمل الزوجة بجانب الزوج، وتساعد الأسر أبناءها حتى بعد الزواج، ويتحمل الناس الكثير حتى تستمر الحياة، لكن يجب ألا تتحول قدرة المواطن على التحمل إلى الحل الدائم، ولا أن يصبح معيار نجاح الأسرة أنها استطاعت الوصول إلى نهاية الشهر دون أن تستدين.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نتوقف عن شراء الكماليات، وإنما أن تتحول الضروريات نفسها إلى أحلام صغيرة، وأن يعمل الإنسان أكثر بينما يشعر أن المسافة بينه وبين الحياة التي يريدها تزداد بدلًا من أن تقل.
نحن إذن لا نعيش مجرد أزمة أسعار، بل أزمة «تكلفة حياة» كاملة، أزمة راتب يصل إلى الحساب وقد سبقته إليه الفواتير، وأب يفكر عشر مرات قبل أي مصروف مفاجئ، وأم تعيد ترتيب قائمة احتياجات البيت حتى تتناسب مع المتاح، وشاب يؤجل خطوات مستقبله لأن أرقام اليوم قد لا تصلح غدًا، وطبقة وسطى تقاتل ليس من أجل أن تصعد درجة جديدة، وإنما حتى لا تنزل درجة إلى أسفل.
وحين يصبح السؤال الأكثر تكرارًا داخل البيت المصري قبل التعليم والعلاج والطعام والسكن والزواج وحتى أبسط القرارات هو «هنقدر ندفع؟»، فعلينا أن ندرك أن القضية لم تعد غلاء سلعة أو ارتفاع فاتورة، القضية أن الراتب لم يعد يطارد الأسعار فقط، بل أصبح يطارد الحياة نفسها.





