القاهرة وأنقرة.. من خلافات السنوات الماضية إلى شراكة تبحث عن مكانها في الإقليم

لم يكن من السهل، قبل سنوات قليلة، تخيل أن يجلس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان على طاولة واحدة لبحث شراكة استراتيجية، أو أن تتحول القاهرة وأنقرة من طرفين متنافسين في ملفات إقليمية شديدة الحساسية إلى دولتين تبحثان عن مساحات مشتركة للتنسيق.
لكن مشهد العلاقات المصرية التركية تغير بصورة لافتة.
فما بدأ باتصالات حذرة، ثم إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء في 2023، تطور إلى زيارات رئاسية متبادلة، ثم إلى مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى، وصولًا إلى الحديث في 2026 عن شراكة استراتيجية شاملة.
والسؤال لم يعد: لماذا تصالحت القاهرة وأنقرة؟
بل أصبح: إلى أين يمكن أن تصل هذه الشراكة؟ وما الذي تريده كل عاصمة من الأخرى في إقليم مضطرب؟
عشر سنوات من القطيعة.. عندما كان الخلاف سياسيًا وجيوسياسيًا
وصلت العلاقات المصرية التركية إلى واحدة من أسوأ مراحلها بعد أحداث 2013.
كانت أنقرة من أشد المنتقدين للإطاحة بالرئيس محمد مرسي، بينما اعتبرت القاهرة الموقف التركي تدخلًا في الشأن الداخلي المصري، لتتدهور العلاقات سريعًا ويُخفض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى القائم بالأعمال. وتشير وزارة الخارجية التركية إلى أن العلاقات ظلت عند هذا المستوى منذ 2013، قبل أن تبدأ عملية التطبيع اللاحقة.
لكن الخلاف لم يتوقف عند السياسة الداخلية المصرية.
سرعان ما دخلت ملفات أخرى إلى دائرة الصراع، وفي مقدمتها ليبيا وشرق المتوسط وملف الطاقة.
في ليبيا، دعمت مصر قوى في شرق البلاد، بينما وقفت تركيا إلى جانب حكومة طرابلس وحلفائها، ووصل التنافس إلى مستويات عسكرية وسياسية حادة خلال الحرب الليبية.
وفي شرق المتوسط، تباينت حسابات البلدين بشأن ترسيم الحدود البحرية واستغلال موارد الغاز، في وقت كانت فيه خريطة التحالفات الإقليمية تتغير بسرعة.
وهكذا أصبحت القاهرة وأنقرة، خلال سنوات، جزءًا من معادلتين إقليميتين متنافستين.
نقطة التحول.. المصالح تتقدم على الخلافات
بدأت بوادر التحول مع اتصالات استكشافية في 2021، ثم جاءت الخطوة الأهم في يوليو 2023، عندما أعلنت القاهرة وأنقرة رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء.
كانت تلك لحظة فارقة؛ لأنها نقلت التطبيع من مرحلة الاتصالات السياسية إلى مرحلة بناء علاقات دولة بدولة بصورة طبيعية.
ثم جاءت زيارة أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024، وهي أول زيارة رئاسية له إلى مصر منذ أكثر من عقد.
وبعدها بستة أشهر تقريبًا، زار السيسي أنقرة، في أول زيارة له إلى تركيا كرئيس لمصر.
ولم تكن الزيارتان مجرد بروتوكول دبلوماسي.
ففي سبتمبر 2024 عقد البلدان أول اجتماع لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، ووقعا مذكرات تفاهم في مجالات متعددة شملت الطاقة والصحة والزراعة والطيران المدني والاتصالات والتعليم والنقل والتمويل وغيرها.
بمعنى آخر، بدأت العلاقة تنتقل من إدارة الخلاف إلى إدارة المصالح المشتركة.
فبراير 2026.. الانتقال إلى مستوى جديد
إذا كانت زيارة أردوغان للقاهرة في 2024 قد دشنت المصالحة، فإن اجتماعات فبراير 2026 أعطت العلاقة إطارًا أكثر مؤسسية.
في 4 فبراير 2026، عقد الرئيسان السيسي وأردوغان الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في القاهرة.
واللافت أن الإعلان المشترك تحدث عن الرغبة في الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
كما جرى توقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم في مجالات الدفاع والتجارة والصحة والاستثمار والطاقة وغيرها، بما يعني أن العلاقة لم تعد محصورة في ملف سياسي أو اثنين، وإنما يجري بناء شبكة مصالح واسعة بين البلدين.
وهنا تكمن أهمية التطور.
فالعلاقات التي تقوم على لقاءات القمة فقط يمكن أن تتراجع مع أول أزمة.
أما العلاقات التي تُبنى حول التجارة والاستثمار والدفاع والطاقة والمؤسسات المشتركة، فتصبح تكلفة التراجع عنها أعلى.
الاقتصاد.. المحرك الأكثر واقعية
قد تكون السياسة هي التي فتحت الباب، لكن الاقتصاد هو أحد أهم الأسباب التي تدفع الطرفين إلى إبقاء الباب مفتوحًا.
الرئيس أردوغان قال في فبراير 2026 إن حجم التجارة الثنائية ظل خلال السنوات الثلاث السابقة في نطاق 8 إلى 9 مليارات دولار، مستهدفًا رفعه إلى 15 مليار دولار.
والهدف لم يعد مجرد رقم على الورق.
فالبلدان يعملان على توسيع الاستثمارات، وزيادة التبادل التجاري، والاستفادة من موقع مصر كبوابة إلى أفريقيا والشرق الأوسط، مقابل الاستفادة من القدرات الصناعية والاستثمارية والسوق التركية.
وفي الإعلان المشترك لعام 2026، تم التأكيد على هدف رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار بحلول 2028، مع تعزيز الاستثمار وإزالة العقبات أمام الشركات من البلدين.
وهذا يجعل العلاقة الاقتصادية أحد أهم أدوات تثبيت التقارب السياسي.
لماذا تحتاج القاهرة إلى أنقرة؟
بالنسبة إلى مصر، تركيا ليست مجرد سوق تجارية.
أنقرة لاعب إقليمي كبير، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك صناعة دفاعية متقدمة، ونفوذًا في البحر الأسود والشرق الأوسط والبلقان وآسيا الوسطى، كما أنها طرف مؤثر في ملفات مثل سوريا وليبيا والقوقاز.
والأهم أن تركيا تستطيع أن تكون شريكًا في التعامل مع ملفات تتقاطع فيها المصالح المصرية، خصوصًا ليبيا وشرق المتوسط والبحر الأحمر والقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، تمتلك مصر أوراقًا لا يمكن لأنقرة تجاهلها: موقع استراتيجي على المتوسط والبحر الأحمر، قناة السويس، ثقل عربي وأفريقي، وعلاقات واسعة مع أطراف إقليمية ودولية، إضافة إلى دور تقليدي في الوساطة الإقليمية.
وبالتالي فإن الشراكة بينهما تمنح كل طرف شيئًا لا يستطيع الحصول عليه بسهولة منفردًا.
ليبيا.. من ساحة صراع إلى مساحة تفاهم؟
ربما يكون الملف الليبي هو الاختبار الأكثر وضوحًا لمدى عمق المصالحة.
قبل سنوات، كانت القاهرة وأنقرة تدعمان أطرافًا متعارضة بصورة مباشرة، وكانت ليبيا إحدى أبرز ساحات التنافس بينهما.
أما الآن، فقد انتقل الخطاب الرسمي إلى دعم العملية السياسية الليبية والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.
وفي إعلان مجلس التعاون الاستراتيجي لعام 2024، أكد البلدان دعمهما لمسار سياسي «ليبي القيادة والملكية» تحت رعاية الأمم المتحدة، مع التشديد على وحدة الأراضي الليبية وسيادتها.
وهذا لا يعني اختفاء المصالح المختلفة.
لكنه يعني شيئًا أكثر أهمية:
القاهرة وأنقرة قررتا أن إدارة الاختلاف أفضل من تحويله إلى صراع مباشر.
وهذه ربما تكون أهم نتيجة سياسية لعملية التطبيع بأكملها.
غزة.. مساحة تقارب أكبر
الحرب في غزة أعادت رسم العديد من العلاقات الإقليمية.
وفي هذا الملف تحديدًا، تتقاطع مواقف القاهرة وأنقرة في عدد من النقاط، خصوصًا الدعوة إلى وقف الحرب، إدخال المساعدات الإنسانية، ورفض تهجير الفلسطينيين، والدفع باتجاه حل سياسي للقضية الفلسطينية.
وخلال الاتصالات المصرية التركية في 2026، واصل وزيرا الخارجية بدر عبد العاطي وهاكان فيدان التنسيق بشأن التطورات الإقليمية، بما في ذلك غزة وسوريا وليبيا والسودان.
وهنا تظهر أهمية مصر بالنسبة إلى تركيا.
فالقاهرة تمتلك حدودًا مباشرة مع غزة، وعلاقات تاريخية مع الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، وخبرة واسعة في الوساطة.
أما تركيا، فتمتلك قنوات وتأثيرًا مختلفًا مع أطراف إقليمية ودولية.
والجمع بين هذه الأوراق يمكن أن يخلق مساحة أوسع للحركة الدبلوماسية.
السودان وسوريا والبحر الأحمر.. الشراكة تتجاوز الثنائية
اللافت في الاتصالات المصرية التركية الأخيرة أن الحديث لا يدور فقط حول العلاقات الثنائية.
البلدان يتشاوران بشأن السودان وسوريا وليبيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي يونيو 2026 شاركت مصر وتركيا، إلى جانب السعودية وباكستان، في اجتماع تشاوري رباعي في القاهرة ركز على التطورات الإقليمية والدولية وقضايا الأمن والاستقرار وخفض التصعيد.
وهذا التطور مهم لأنه يضع العلاقة المصرية التركية داخل ترتيبات إقليمية متعددة الأطراف بدلًا من إبقائها علاقة ثنائية منفصلة.
وفي أغسطس 2026 ظهرت إشارة أكثر إثارة للاهتمام.
فبعد توقيع تركيا والسعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن مصر يمكن أن تكون مرشحة للانضمام إلى الترتيب الجديد، في إطار تصور أوسع لتعاون أمني إقليمي.
لكن هذا لا يعني أن القاهرة قررت الانضمام.
الأهم أن تركيا باتت ترى مصر ضمن دائرة الدول التي يمكن أن تكون جزءًا من ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة.
هل انتهت الخلافات فعلًا؟
هنا يجب الحذر.
التقارب لا يعني التطابق.
القاهرة وأنقرة ما زالتا دولتين لهما حساباتهما الخاصة، وتحالفاتهما ومصالحهما المختلفة.
هناك ملفات يمكن أن تعود فيها التباينات إلى الواجهة إذا تغيرت الظروف، وعلى رأسها ليبيا وشرق المتوسط وبعض القضايا المتعلقة بالتحالفات الإقليمية.
كما أن علاقة تركيا بأطراف إقليمية مختلفة قد تتقاطع أحيانًا مع حسابات القاهرة.
لكن الفارق الأساسي أن هذه الخلافات لم تعد تُدار بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل سنوات.
بدلًا من القطيعة والتصعيد الإعلامي والدبلوماسي، أصبح هناك اتصال مباشر وآليات تشاور ومؤسسات مشتركة.
وهذه نقلة استراتيجية بحد ذاتها.
من «خصمين إقليميين» إلى «شريكين براغماتيين»
يمكن فهم التحول المصري التركي باعتباره جزءًا من تغير أكبر في الشرق الأوسط.
فخلال العقد الماضي، شهد الإقليم صراعات حادة بين محاور مختلفة.
أما السنوات الأخيرة، فشهدت موجة من إعادة التموضع والمصالحات وإعادة بناء العلاقات على أساس أكثر براغماتية.
وهذا ما حدث بين القاهرة وأنقرة أيضًا.
دراسات متخصصة في العلاقات المصرية التركية ترى أن التحول لم يكن مجرد مصالحة سياسية، وإنما نتج عن تغير البيئة الإقليمية والحاجة إلى إدارة ملفات مثل ليبيا وشرق المتوسط وغزة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي تجعل التعاون أكثر جاذبية للطرفين.
بمعنى آخر:
لم تختفِ السياسة الواقعية.. لكنها أصبحت أكثر واقعية.
ماذا تريد تركيا من مصر؟
يمكن اختصار المصالح التركية في عدة دوائر.
أولًا: الاقتصاد.
السوق المصرية الكبيرة، والاستثمارات، والوصول إلى أفريقيا، كلها عوامل مهمة لأنقرة.
ثانيًا: الجغرافيا السياسية.
تركيا تريد علاقات مستقرة مع القوة العربية الأكبر في شرق المتوسط.
ثالثًا: الطاقة والبحر المتوسط.
التنسيق مع القاهرة يمكن أن يقلل من تكلفة التنافس في شرق المتوسط، ويفتح مسارات جديدة للتعاون.
رابعًا: الملفات الإقليمية.
مصر لاعب لا يمكن تجاهله في غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر.
وبالتالي فإن تحسين العلاقة معها يمنح أنقرة مساحة أكبر للحركة.
وماذا تريد مصر؟
القاهرة، في المقابل، تريد علاقة مستقرة مع قوة إقليمية مؤثرة دون أن تتحول إلى تحالف مغلق.
تريد زيادة التجارة والاستثمارات، والاستفادة من القدرات الصناعية والتكنولوجية التركية، وفتح مساحات تعاون دفاعي واقتصادي.
وفي الوقت نفسه، تحتاج مصر إلى إدارة ملفات الإقليم مع أكبر عدد ممكن من الأطراف بدلًا من الدخول في محاور صلبة.
وهنا تصبح تركيا شريكًا محتملًا في ملفات محددة، وليس بالضرورة حليفًا في كل الملفات.
وهذه نقطة جوهرية لفهم السياسة المصرية.
الاختبار الحقيقي.. هل تتحول المصالحة إلى شراكة؟
المؤشرات الحالية إيجابية.
مجلس تعاون استراتيجي يجتمع دوريًا، زيارات رئاسية متبادلة، اتفاقات دفاعية واقتصادية، هدف تجاري يبلغ 15 مليار دولار، وتنسيق مستمر حول أزمات الإقليم.
لكن نجاح المشروع يحتاج إلى شيء أكبر من البيانات الرسمية.
يحتاج إلى مصالح ملموسة تستمر حتى عندما تختلف المواقف السياسية.
إذا ارتفع الاستثمار، وزادت التجارة، واستمر التعاون الدفاعي، وتوسعت آليات التشاور حول ليبيا وغزة والسودان وشرق المتوسط، فستتحول العلاقة تدريجيًا من مصالحة سياسية إلى شراكة استراتيجية فعلية.
أما إذا ظلت العلاقة مرتبطة فقط بتقارب السيسي وأردوغان، فإن أي أزمة إقليمية كبيرة يمكن أن تختبر صلابتها.
الخلاصة
القاهرة وأنقرة لا تعودان إلى ما قبل 2013.
وفي الحقيقة، لا يبدو أن أيًا منهما يريد ذلك.
ما يحدث هو بناء صيغة جديدة للعلاقة؛ صيغة لا تقوم على التطابق السياسي، وإنما على المصالح المشتركة وإدارة الخلافات.
تركيا تحتاج مصر باعتبارها قوة عربية وإقليمية وواجهة مهمة على المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا.
ومصر تحتاج تركيا باعتبارها قوة إقليمية ذات قدرات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية واسعة.
لهذا فإن التقارب الحالي ليس مجرد مصافحة بين رئيسين.
إنه جزء من إعادة ترتيب واسعة لخريطة الشرق الأوسط.
والسؤال الأكبر خلال السنوات المقبلة لن يكون ما إذا كانت القاهرة وأنقرة قد أنهتا خلافاتهما؛ فقد أثبتتا بالفعل قدرتهما على تجاوز جزء كبير منها.
السؤال الحقيقي هو:
هل تستطيع الدولتان تحويل المصالح المشتركة إلى شراكة طويلة الأمد، دون أن تتحول الملفات الإقليمية المتغيرة إلى سبب جديد للصدام؟
إذا نجحتا، فقد تصبح العلاقة المصرية التركية واحدة من أهم شراكات إعادة تشكيل التوازنات في شرق المتوسط والشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
أما إذا فشلت إدارة الملفات الخلافية، فقد تكتشف القاهرة وأنقرة أن المصالحة أسهل بكثير من بناء شراكة استراتيجية مستقرة.








