«العلمين للطيران والفضاء».. منصة اقتصادية تعزز مكانة مصر في الصناعات الاستراتيجية

في عالم اليوم، لم تعد المعارض الدولية تقاس بعدد الوفود المشاركة أو الطائرات المعروضة، بل بما تخلقه من فرص استثمار، وما تفتحه من أبواب أمام الصناعات الوطنية، وما تتركه من أثر اقتصادي يمتد لسنوات بعد انتهاء فعالياتها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة معرض العلمين للطيران والفضاء باعتباره جزءًا من استراتيجية مصر لإعادة تموضعها داخل خريطة الصناعات عالية التكنولوجيا، وليس مجرد حدث دولي عابر.
فالاقتصاد العالمي يشهد تحولًا متسارعًا نحو الصناعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، وفي مقدمتها قطاع الطيران والفضاء، الذي أصبح أحد أكثر القطاعات تأثيرًا في معدلات النمو والاستثمار. فكل دولار يُضخ في هذه الصناعة لا يتوقف أثره عند إنتاج طائرة أو قمر صناعي، وإنما يمتد إلى عشرات الصناعات المغذية، بدءًا من الإلكترونيات الدقيقة والبرمجيات، مرورًا بالمواد المركبة والهندسة الميكانيكية، وصولًا إلى خدمات النقل والتأمين والتدريب.
ومن هنا، تبدو استضافة مصر لهذا الحدث رسالة اقتصادية قبل أن تكون رسالة تنظيمية. فالهدف لم يعد استضافة معرض دولي فحسب، وإنما تقديم الدولة باعتبارها بيئة قادرة على استقطاب الاستثمارات الصناعية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على التكنولوجيا والابتكار، وهي القطاعات التي تحقق أعلى قيمة مضافة مقارنة بالصناعات التقليدية.
كما يمثل المعرض فرصة لإعادة تعريف مدينة العلمين الجديدة، ليس باعتبارها مدينة سياحية فقط، وإنما مركزًا لاستضافة الفعاليات الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى. وهذا النوع من الأحداث يسهم في تعزيز ما يعرف بـ«اقتصاد المؤتمرات والمعارض»، الذي أصبح مصدر دخل مهمًا في العديد من الدول، لما يحققه من إشغال فندقي، ونشاط في قطاع الطيران، وحركة للنقل، وزيادة في الطلب على الخدمات، فضلًا عن الترويج الدولي للدولة المستضيفة.
لكن القيمة الحقيقية للمعرض لن تُقاس بحجم الحضور أو بعدد الشركات المشاركة، وإنما بقدرته على تحويل اللقاءات والاتفاقات إلى مشروعات إنتاجية حقيقية. فالاقتصادات الناجحة لا تكتفي بتنظيم المعارض، بل تستخدمها كمنصة لعقد شراكات طويلة الأجل، وتوطين التكنولوجيا، وتشجيع الشركات المحلية على الدخول في سلاسل الإمداد العالمية.
ويفرض ذلك تحديًا مهمًا يتمثل في قدرة الصناعة المصرية على الاستفادة من هذا الزخم. فوجود الشركات العالمية داخل السوق المصرية يجب أن يكون بداية لبرامج تدريب ونقل خبرات، وتشجيع الاستثمار في الصناعات المغذية، ورفع كفاءة الكوادر الوطنية، حتى تصبح مصر جزءًا من منظومة الإنتاج العالمية، وليس مجرد سوق للاستهلاك أو الاستيراد.
كما أن الموقع الجغرافي لمصر يمنحها ميزة تنافسية لا يمكن تجاهلها. فهي تقع على أحد أهم مسارات الطيران والتجارة بين الشرق والغرب، وتمتلك بنية تحتية متطورة في المطارات والطرق والموانئ، وهو ما يمكن أن يحولها إلى مركز إقليمي لخدمات الطيران والصيانة والتدريب، إذا ما توافرت الحوافز الاستثمارية والرؤية الصناعية الواضحة.
في المقابل، فإن المنافسة الإقليمية في هذا القطاع تزداد حدة، مع اتجاه عدد من دول المنطقة إلى الاستثمار بكثافة في الصناعات الجوية والفضائية. لذلك، فإن الحفاظ على الزخم الذي يخلقه معرض العلمين يتطلب الانتقال سريعًا من مرحلة الترويج إلى مرحلة التنفيذ، عبر مشروعات وشراكات قابلة للقياس، تحقق عائدًا اقتصاديًا ملموسًا.
في النهاية، لا تكمن أهمية معرض العلمين للطيران والفضاء في أيام انعقاده، وإنما في قدرته على أن يصبح نقطة انطلاق لاقتصاد أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والصناعة المتقدمة. فالمعارض الكبرى لا تغير الاقتصادات بذاتها، لكنها تمنح الدول فرصة لإثبات قدرتها على المنافسة، واستثمار موقعها، وتحويل الأفكار إلى استثمارات، والاستثمارات إلى قيمة مضافة تدعم النمو المستدام.
شركة تنمية الريف المصري الجديد تعتمد نتائج أعمال 2025.. «مرحلة جديدة من التنمية والاستثمار»