«خارج قدرة المواطن.. الإيجارات تلتهم دخول المصريين»

تحت ضغط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، تحولت الإيجارات إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه ملايين الأسر المصرية، بعدما سجلت أسعار الوحدات السكنية قفزات متتالية خلال السنوات الأخيرة، لتصبح تكلفة السكن بندًا يستنزف جانبًا كبيرًا من دخول المواطنين، وفي الوقت الذي تُرجع فيه السوق هذه الزيادات إلى ارتفاع تكاليف البناء، والتضخم، وزيادة الطلب، يبرز عامل آخر فرض نفسه على المشهد، وهو تزايد أعداد الوافدين إلى مصر، خاصة من السودان وسوريا، إلى جانب جنسيات أفريقية أخرى، بما أسهم في زيادة الطلب على الوحدات السكنية في بعض المناطق، وبين هذه العوامل المتشابكة، تبرز تساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي أشعلت سوق الإيجارات، وما إذا كانت الأزمة نتاج عامل واحد أم حصيلة متغيرات اقتصادية وسكانية واستثمارية تداخلت لتفرض واقعًا جديدًا على سوق السكن في مصر.
أصبح العثور على شقة بإيجار مناسب تحديًا حقيقيًا أمام آلاف الشباب والأسر، فالمناطق التي كانت تُعد قبل سنوات خيارًا لمحدودي ومتوسطي الدخل، شهدت زيادات متتالية في القيمة الإيجارية، بينما ارتفعت أسعار الوحدات في الأحياء الأكثر طلبًا إلى مستويات دفعت كثيرًا من المواطنين إلى الانتقال لمناطق أبعد، أو تقليص مساحة السكن، أو مشاركة الوحدة مع آخرين لتخفيف الأعباء.
ولا تبدو الأزمة مرتبطة بسبب واحد، فارتفاع أسعار الحديد والأسمنت ومواد التشطيب، وزيادة تكلفة الأراضي والتمويل، أدى إلى ارتفاع تكلفة إنشاء الوحدات السكنية، وهو ما انعكس على أسعار البيع والإيجار معًا، كما أن تباطؤ تنفيذ بعض المشروعات السكنية الخاصة أسهم في تقليل المعروض، في الوقت الذي استمرت فيه معدلات الطلب في الارتفاع.
وفي المقابل، دفعت الزيادات الكبيرة في أسعار شراء العقارات شريحة واسعة من المواطنين إلى التخلي عن حلم التملك، والاتجاه إلى الإيجار باعتباره الخيار الوحيد، وهو ما زاد الضغط على السوق، خاصة في القاهرة الكبرى والإسكندرية وعدد من المدن التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة.
وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت مصر أعدادًا كبيرة من الوافدين، خاصة من السودان نتيجة الحرب، إلى جانب سوريين وجنسيات أفريقية أخرى، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على السكن في بعض المناطق التي يفضلون الإقامة بها لقربها من أماكن العمل أو وجود تجمعات من أبناء جنسياتهم، ويرى متعاملون في السوق أن هذا الطلب الإضافي ساهم في ارتفاع الأسعار داخل تلك المناطق، إلا أن خبراء يؤكدون أن هذا العامل لا يمكن اعتباره المسؤول الوحيد عن الأزمة، لأن ارتفاع الإيجارات امتد إلى مناطق لا تشهد كثافة كبيرة من الوافدين، بما يعكس وجود عوامل اقتصادية أعمق تتحكم في حركة السوق.
صفقات الطاقة العالمية .. أمريكا تُنجز بيع نفط فنزويلي بقيمة 500 مليون دولار وتأثيرها على أسعار الوقود عالمياً
ويشير عدد من العاملين في القطاع العقاري إلى أن بعض الملاك استغلوا حالة الإقبال المتزايد على الإيجارات، فرفعوا القيمة الإيجارية إلى مستويات تفوق الزيادة الحقيقية في تكاليف التشغيل أو الصيانة، مستفيدين من قلة المعروض ووجود أكثر من مستأجر راغب في الوحدة نفسها، وهو ما خلق سباقًا على الأسعار انعكس في النهاية على المواطن.
كما لعبت التغيرات الاجتماعية دورًا في زيادة الطلب، فارتفاع معدلات الزواج، وانتقال عدد من الأسر من المحافظات إلى القاهرة الكبرى بحثًا عن فرص العمل، وزيادة أعداد الطلاب الوافدين إلى الجامعات، كلها عوامل ساهمت في اتساع الفجوة بين العرض والطلب، لتصبح المنافسة على الوحدات السكنية أكثر حدة من أي وقت مضى.
ويرى خبراء الاقتصاد أن مواجهة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بزيادة المعروض من الوحدات السكنية، وتشجيع الاستثمار في الإسكان المتوسط والإيجاري، وتقديم حوافز للمطورين العقاريين، مع التوسع في المدن الجديدة وربطها بشبكات نقل فعالة تشجع المواطنين على الانتقال إليها، بما يخفف الضغط عن المناطق الأكثر ازدحامًا.
كما يطالب متخصصون بضرورة وجود قاعدة بيانات دقيقة لسوق الإيجارات، تساعد على رصد تطورات الأسعار ومعدلات الطلب، بما يمكن صناع القرار من وضع سياسات أكثر كفاءة، بعيدًا عن الاجتهادات أو الانطباعات، مع دراسة آليات تحقق التوازن بين حقوق المالك في تحقيق عائد عادل من وحدته السكنية، وحق المواطن في الحصول على مسكن مناسب بتكلفة تتناسب مع مستوى دخله.
وبين الضغوط الاقتصادية المتزايدة واتساع الطلب على السكن، تبقى أزمة الإيجارات واحدة من أكثر الملفات تأثيرًا على حياة المصريين، ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تزداد الحاجة إلى حلول واقعية تعالج جذور المشكلة، لأن استقرار سوق السكن لا يرتبط فقط بالعقارات، بل يرتبط أيضًا بالاستقرار الاجتماعي، وقدرة الشباب على تكوين أسر، وضمان حق المواطنين في سكن ملائم وآمن بأسعار عادلة.