من يدفع ثمن الطعام قبل أن يصل إلى المائدة؟ رحلة السلعة من المزرعة إلى المستهلك

عندما يصل كيلو الطماطم أو كيس الأرز أو قطعة الدجاج إلى رف المتجر، تبدو الصورة بسيطة: منتج وسعر ومستهلك.
لكن خلف هذا المشهد رحلة طويلة تمر فيها السلعة بعدة أيدٍ ومرحلة، وكل مرحلة تضيف تكلفة جديدة قبل أن تصل إلى المائدة.
ولهذا فإن السعر الذي يدفعه المستهلك في النهاية لا يعكس بالضرورة ما حصل عليه المنتج في بداية السلسلة، بل يعكس تكلفة رحلة كاملة تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند باب المتجر.
البداية من المزرعة
تبدأ الرحلة عند المزارع الذي يتحمل تكاليف البذور أو الشتلات والأسمدة والمبيدات والمياه والطاقة والعمالة، إلى جانب تكلفة الأرض والمعدات والنقل.
وفي بعض المحاصيل، قد ينتظر المزارع أشهرًا قبل أن يحصل على العائد، بينما تظل التكاليف مستمرة طوال فترة الإنتاج.
لكن سعر بيع المنتج عند هذه النقطة لا يتحدد فقط وفق تكلفة الإنتاج، وإنما يتأثر أيضًا بحجم المعروض والطلب وتوقيت الحصاد وظروف السوق.
وهنا تبدأ أول حلقة في رحلة السعر.
من المزرعة إلى التاجر
بعد الحصاد، تحتاج السلعة إلى من يشتريها وينقلها ويجمعها ويوزعها.
قد يكون هناك تاجر أو وسيط يتولى تجميع كميات من عدة مزارعين، ثم ينقلها إلى سوق الجملة أو إلى جهة أخرى.
وجود هذه الحلقة ليس بالضرورة أمرًا سلبيًا؛ فهي تؤدي وظائف حقيقية مثل التجميع والنقل والفرز وتحمل مخاطر التلف وتقلب الأسعار.
لكن كل خدمة لها تكلفة، وهذه التكلفة تدخل في السعر النهائي.
النقل.. تكلفة لا يراها المستهلك
السلعة لا تنتقل من الحقل إلى المتجر مجانًا.
هناك شاحنات ووقود وسائقون وصيانة ورسوم وتحميل وتفريغ، وفي بعض الحالات تحتاج المنتجات إلى وسائل نقل مبردة للحفاظ على جودتها.
كلما زادت المسافة أو تعقدت عملية النقل، زادت التكلفة.
وفي المنتجات سريعة التلف، يصبح عامل الوقت أكثر أهمية؛ لأن التأخير قد يعني خسارة جزء من الكمية قبل بيعها.
الفرز والتخزين والتعبئة
بعض المنتجات تحتاج إلى فرز قبل وصولها إلى المستهلك.
يتم استبعاد التالف، وتصنيف الأحجام والجودة، ثم التعبئة والتغليف وربما التخزين لفترة معينة.
وقد يبدو التغليف بالنسبة للمستهلك مجرد عبوة، لكنه بالنسبة لسلسلة الإمداد يمثل تكلفة عمالة ومواد ومعدات وطاقة.
أما التخزين، فيضيف تكاليف أخرى، خصوصًا عندما تحتاج السلعة إلى تبريد أو تجميد.
من الجملة إلى التجزئة
عند وصول السلعة إلى تاجر التجزئة، لا يكون السعر النهائي مجرد سعر الشراء.
هناك إيجار للمحل أو تكلفة تشغيل المنصة الإلكترونية، وأجور العاملين، والكهرباء، والتخزين، والتلف، والنقل، والضرائب والرسوم بحسب طبيعة السلعة والنظام المعمول به.
ويحتاج التاجر كذلك إلى هامش يغطي مخاطره ويحقق له عائدًا.
وهكذا يصبح السعر النهائي نتيجة تراكم تكاليف وهوامش عبر سلسلة طويلة.
لماذا لا ينخفض السعر دائمًا عندما ينخفض سعر المزرعة؟
هذا السؤال يتكرر كثيرًا.
والإجابة أن السعر النهائي لا يتحرك بالضرورة بنفس سرعة السعر عند المنتج.
فإذا انخفض سعر المحصول في المزرعة، قد تظل هناك كميات تم شراؤها بالفعل بأسعار أعلى، أو تكاليف نقل وتخزين وتعبئة لم تنخفض، أو مخزون سابق لم يُبع بعد.
كما أن بعض حلقات السلسلة قد تستغرق وقتًا حتى تعكس تغير الأسعار.
ولهذا فإن انخفاض سعر المنتج من المصدر لا يعني تلقائيًا انخفاض السعر على رف المتجر في اليوم نفسه.
ومن يدفع ثمن الهدر؟
الهدر الغذائي أحد التكاليف الخفية في رحلة الطعام.
جزء من المنتجات قد يتلف أثناء الحصاد أو النقل أو التخزين، وجزء آخر قد لا يطابق معايير معينة من حيث الشكل أو الحجم، أو لا يُباع في الوقت المناسب.
وفي النهاية، لا تختفي تكلفة هذه المنتجات ببساطة؛ بل تتحول خسارتها إلى جزء من تكلفة النظام كله.
كلما ارتفع الهدر، أصبحت السلسلة أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
هل كل زيادة في السعر تعني أرباحًا أكبر؟
ليس بالضرورة.
الفرق بين سعر المنتج وسعر المستهلك لا يمثل كله أرباحًا.
فبينهما تكاليف كثيرة، وبعض حلقات السلسلة تعمل بهوامش محدودة بينما تتحمل مخاطر كبيرة.
لكن هذا لا يعني أن السلسلة خالية من المشكلات.
فكلما زاد عدد الوسطاء، أو ضعفت المنافسة، أو غابت المعلومات عن الأسعار، أو ارتفعت تكاليف النقل والتخزين، أصبح من الصعب معرفة أين تتشكل الزيادة الحقيقية في السعر.
التكنولوجيا تعيد رسم الرحلة
التحول الرقمي يمكن أن يغير هذه المعادلة تدريجيًا.
أنظمة تتبع المنتجات، والمنصات التي تربط المنتج مباشرة بالمشتري، وتحليل الأسعار، وإدارة المخزون بالذكاء الاصطناعي، كلها يمكن أن تقلل بعض الحلقات غير الضرورية وتساعد على تقليل الهدر.
كما أن البيانات الأفضل تسمح للمنتج بمعرفة حجم الطلب بصورة أكثر دقة، وللتاجر بإدارة المخزون بشكل أفضل، وللمستهلك بالحصول على معلومات أكثر عن مصدر السلعة.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا ظلت تكاليف النقل والطاقة والتخزين مرتفعة أو كانت الأسواق تعاني من اختلالات أخرى.
السعر النهائي يحكي قصة أطول مما نعتقد
عندما يدفع المستهلك ثمن الطعام، فهو لا يدفع مقابل المنتج وحده.
إنه يدفع أيضًا مقابل الأرض والمياه والطاقة والعمالة والنقل والتخزين والتعبئة والتوزيع ومخاطر التلف، إضافة إلى الضرائب والرسوم وهوامش الأطراف المختلفة وفق كل سلعة وسوق.
ولهذا فإن فهم أسعار الغذاء يحتاج إلى النظر إلى السلسلة كاملة، وليس إلى آخر حلقة فيها فقط.
قناة السويس تحت المجهر.. ماذا يحدث لحركة السفن ومتى تعود الإيرادات إلى مستوياتها القوية؟
فالمشكلة ليست دائمًا في السؤال: «لماذا ارتفع سعر المنتج؟».
السؤال الأهم هو: أين ترتفع التكلفة خلال الرحلة من المزرعة إلى المائدة، ومن يتحملها في النهاية؟
وهنا تبدأ القراءة الحقيقية لسعر الطعام؛ لأن الرقم المكتوب على رف المتجر ليس مجرد سعر سلعة، بل هو خلاصة رحلة اقتصادية طويلة بدأت قبل أن يرى المستهلك المنتج بوقت كبير.