سيد بدري يكتب: تحولات الشخصية المصرية.. قراءة في ظاهرة العنف الأسري والمجتمعي

تشهد الساحة الاجتماعية المصرية في السنوات الأخيرة حالة من القلق المتزايد نتيجة تصاعد وتيرة حوادث العنف، والتي لم تعد تقتصر على النطاق العام، بل اقتحمت قدسية الأسرة، لتصل إلى جرائم قتل مروعة بين الأزواج، وبين الأقارب، وبشكل يثير الدهشة والاستنكار، لا سيما بين فئة الشباب وحديثي الزواج.
هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تفاعلات معقدة لمتغيرات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وتقنية.
أولاً: جذور التحول في الشخصية المصرية
الشخصية المصرية، التي عُرفت تاريخياً بـ”طولة البال” والميل نحو السلم والتماسك الأسري، بدأت تظهر عليها علامات التغير. يمكن إرجاع هذا التغير إلى عدة عوامل متداخلة:
1- الضغوط الاقتصادية وتآكل “الأمان النفسي”
تعد الأزمات الاقتصادية أحد أقوى المحركات للعنف. الضغوط المادية وتكاليف المعيشة المرتفعة تضع الفرد، خاصة الشاب الذي يبدأ حياته الزوجية، تحت وطأة “احتراق نفسي” مستمر.
غياب التوازن بين الدخل ومتطلبات الحياة يخلق حالة من التوتر الدائم، مما يقلل من القدرة على الصبر والتحمل، ويحوّل العنف إلى وسيلة “تفريغ” أو “تعبير” عن العجز.
2- التغير في منظومة القيم والنمط الاستهلاكي
لقد انتقل المجتمع من نمط التكافل الأسري التقليدي إلى نمط استهلاكي فردي حاد.
أصبحت “المظاهر” والقدرة على مواكبة المستوى الاجتماعي الافتراضي (على منصات التواصل) هدفاً يفوق في أهميته استقرار العلاقات الإنسانية.
هذا الصراع المستمر لتحقيق معايير مادية غير واقعية يؤدي إلى هشاشة العلاقات العاطفية بين الأزواج الجدد، الذين قد لا يمتلكون النضج الكافي للتعامل مع خيبات الأمل.
3- أثر التكنولوجيا والعزلة الرقمية
رغم أن التكنولوجيا قربت المسافات، إلا أنها ساهمت في تعميق العزلة الاجتماعية. تراجع الحوار الأسري المباشر لصالح “الشاشات”، مما أدى إلى ضعف مهارات التواصل وحل النزاعات.
كما أن التعرض المفرط للمحتوى العنيف عبر الإنترنت والسينما غير المنضبطة يساهم في “تطبيع” فكرة العنف كوسيلة مقبولة لإنهاء الخلافات.
ثانياً: أسباب انتشار العنف بين الشباب والأزواج الجدد
لماذا الشباب تحديداً؟ الإجابة تكمن في “الصدمة الانتقالية”. ينتقل الشاب من حياة العزوبية أو حماية الأهل إلى مسؤوليات الزواج الثقيلة، دون تأهيل نفسي أو مهارات حياتية.
غياب التنشئة على “الذكاء العاطفي”: يتعلم الشاب في مراحل التعليم كيف يحصل على شهادة، لكنه لا يتعلم كيف يدير غضبه، أو كيف يتقبل الاختلاف مع شريك الحياة.
توقعات غير واقعية: الدراما ووسائل التواصل الاجتماعي ترسم صورة “مثالية” للزواج، وعندما يصطدم الشاب بالواقع وتحدياته اليومية، يحدث انفجار عاطفي قد يتحول إلى سلوك عدواني.
ضعف التماسك الأسري: تفكك الروابط التي كانت تتدخل قديماً للصلح (الروابط العائلية الموسعة) ترك الزوجين في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع مشاكلهما، مما يفاقم الأزمات الصغيرة لتتحول إلى كوارث.
ثالثاً: الحلول المقترحة (على المستوى الفردي والاجتماعي)
للخروج من هذا النفق، يجب تبني استراتيجية شاملة تعيد بناء “المرونة النفسية” لدى المصريين:
1- تفعيل برامج التأهيل قبل الزواج: يجب أن تصبح دورات الإرشاد الأسري مطلباً مجتمعياً، بل وربما إلزامية، لتدريب المقبلين على الزواج على مهارات إدارة الخلافات، والحوار البناء، وفهم شريك الحياة.
2- الاستثمار في الصحة النفسية: لا يزال هناك “وصمة عار” تلاحق من يطلب مساعدة نفسية. يجب نشر ثقافة الذهاب للمعالج النفسي للتعامل مع الغضب والاكتئاب قبل أن يتحولا إلى سلوك إجرامي.
3- إعادة إحياء الحوار المجتمعي: تعزيز الأنشطة التي تجمع الناس في نوادي شبابية ومراكز ثقافية حقيقية، بعيداً عن العالم الافتراضي، لتعزيز الروابط الإنسانية المباشرة.
رابعاً: دور الدولة في مواجهة الأزمة
لا يمكن للدولة أن تقف متفرجة أمام تآكل النسيج الاجتماعي، ويجب أن يكون تدخلها من خلال محاور استراتيجية:
1- إصلاح منظومة التعليم والإعلام
التعليم: إدراج مناهج “التربية العاطفية” والذكاء الاجتماعي في المدارس، لتعزيز قيم الحوار والقبول والتسامح.
الإعلام: وضع ميثاق شرف إعلامي يمنع تصدير نماذج العنف كـ”بطولة” أو “أكشن”، والتركيز على تقديم قدوات إيجابية ودراما تناقش الحلول لا المشكلات فقط.
2- التمكين الاقتصادي والاجتماعي
خلق فرص عمل حقيقية للشباب لتقليل الضغوط المادية التي تعصف باستقرار الأسر، وتوسيع نطاق الدعم للمبادرات التي توفر سكناً ميسراً أو قروضاً صغيرة، مما يخفف العبء عن كاهل المتزوجين حديثاً.
3- تعزيز دور المؤسسات الدينية والمدنية
يجب أن تتحول المساجد والكنائس ومؤسسات المجتمع المدني إلى “مراكز دعم نفسي واجتماعي” تقدم استشارات أسرية حقيقية، بدلاً من الاكتفاء بالوعظ النظري، لتكون خط الدفاع الأول لاحتواء الخلافات قبل تفاقمها.
4- التشدد الرادع والحماية القانونية
تطبيق القانون بصرامة تجاه جرائم العنف الأسري، مع توفير “خطوط ساخنة” سريعة الاستجابة للزوجات والأبناء المعرضين للعنف، لضمان حمايتهم قانونياً قبل وقوع الجريمة، وليس فقط المعاقبة بعدها.
جرس إنذار
إن حوادث العنف المتزايدة هي “جرس إنذار” صارخ لمجتمع يمر بمرحلة مخاض عسيرة. الشخصية المصرية ليست عدوانية بطبعها، لكنها محاصرة بضغوط وتغيرات تتطلب “وقفة وطنية” شاملة.
الحل ليس أمنياً فقط، بل هو “مشروع قومي لبناء الإنسان” يتضمن إصلاحاً اقتصادياً، تربوياً، ونفسياً، لنعيد للأسرة المصرية أمانها، وللفرد المصري طمأنينته التي فقدها في زحام الحياة الحديثة.
