محمزد أبو السعود يكتب: «المحليات.. منافسة الكفاءات لا معركة الانتخابات»

عندما يُفتح ملف عودة انتخابات المحليات، ينصرف الحديث غالبًا إلى موعد الانتخابات وشكل القانون ونظام الترشح، لكن السؤال الأهم الذي قد يحدد نجاح التجربة من عدمه لا يتعلق بالانتخابات فقط، وإنما بمن سيجلس على مقاعد المجالس المحلية؟ وهل ستكون المحليات القادمة قادرة على إنتاج كوادر تمتلك المعرفة والقدرة على التعامل مع تعقيدات الشارع، أم ستتحول إلى مجرد سباق للحصول على مقاعد ونفوذ اجتماعي؟
فالمحليات ليست برلمانًا مصغرًا بالمعنى التقليدي، وليست مجرد منصة للوجاهة الاجتماعية، وإنما هي مؤسسة ترتبط بتفاصيل حياة المواطنين اليومية، وتحتاج إلى أشخاص يمتلكون أدوات الإدارة، والقدرة على التواصل، وفهم القوانين واللوائح، ومتابعة الملفات الخدمية التي تمس ملايين المواطنين.
خلال العقود الماضية، ارتبطت المحليات في أذهان البعض بفكرة النفوذ المحلي، حيث كان بعض الأعضاء يعتمدون على الحضور العائلي أو الاجتماعي أكثر من امتلاك الخبرة الفنية والإدارية، وهو ما جعل التجربة في بعض مراحلها تواجه انتقادات تتعلق بضعف الأداء أو تحول بعض المجالس إلى ساحات للخدمات الفردية بدلًا من التخطيط والرقابة على التنمية.
لكن طبيعة الدولة المصرية تغيرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد المحليات مطالبة فقط بمتابعة النظافة والطرق والخدمات التقليدية، وإنما أصبحت أمام ملفات أكثر تعقيدًا، مثل إدارة المدن الجديدة، ومتابعة مشروعات تطوير القرى، والتحول الرقمي، وتنظيم العمران، والحفاظ على الأراضي الزراعية، وتحسين جودة الخدمات العامة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام انتخابات المحليات المقبلة لن يكون فقط في اختيار الأشخاص الذين يحظون بشعبية، وإنما في اختيار من يمتلك القدرة على تحويل هذه الشعبية إلى عمل مؤسسي يخدم المجتمع.
فعضو المجلس المحلي الناجح يحتاج إلى فهم طبيعة عمل الجهاز التنفيذي، ومعرفة حدود صلاحياته، والقدرة على قراءة الموازنات والخطط المحلية، والتعامل مع الملفات الخدمية بلغة الأرقام وليس فقط بلغة الشكاوى والمطالب.
كما أن نجاح المحليات يرتبط بشكل كبير بقدرتها على جذب الشباب وأصحاب الخبرات، خاصة أن الشباب يمثلون شريحة واسعة من المجتمع، ولديهم القدرة على التعامل مع التكنولوجيا وأدوات الإدارة الحديثة، وهو ما تحتاجه منظومة محلية تتجه نحو الرقمنة والشفافية.
ويرى مراقبون أن إعادة بناء المحليات تتطلب تغيير الثقافة المرتبطة بها؛ بحيث لا يصبح الهدف من الترشح مجرد الحصول على لقب أو مكانة اجتماعية، وإنما تحمل مسؤولية حقيقية تجاه المواطنين، والمساهمة في وضع حلول للمشكلات المحلية.
كما أن اختيار القيادات المحلية لا يقل أهمية عن اختيار أعضاء المجالس المنتخبة، فالتجربة تحتاج إلى تكامل بين مجلس منتخب يمتلك رؤية ورقابة، وجهاز تنفيذي يمتلك الكفاءة والقدرة على التنفيذ.
ويبقى السؤال الأهم مع اقتراب عودة المحليات: هل ستكون الانتخابات المقبلة فرصة لإنتاج جيل جديد من القيادات المحلية القادرة على إدارة مرحلة مختلفة، أم ستعيد إنتاج النماذج التقليدية التي عانت منها التجربة سابقًا؟
فالمحليات لا تحتاج فقط إلى انتخابات، بل تحتاج قبل كل شيء إلى كفاءات؛ لأن نجاحها لن يقاس بعدد المقاعد التي تم شغلها، وإنما بعدد المشكلات التي استطاعت حلها، وبمدى شعور المواطن بأن صوته أصبح حاضرًا في إدارة المكان الذي يعيش فيه.
