«المعلمة دفعت.. فمن المسؤول؟».. قصة المربية صالحة أبو الفضل التي كشفت أزمة خلف أسوار المدرسة

في وقتٍ أصبحت فيه شكاوى المدارس من نقص الصيانة وتأخر الإصلاحات مشهدًا متكررًا، أعادت الأستاذة صالحة أبو الفضل عرفة، مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار، إلى الواجهة صورة مختلفة للمعلم؛ صورة المربي الذي لا يتعامل مع المدرسة باعتبارها مجرد مقر عمل، وإنما بيتًا يعيش بين جدرانه مع أبنائه من الطلاب، ويشعر بالمسؤولية تجاه كل تفصيلة فيه.
موقف كشف ما وراء جدران المدرسة
برز اسم مديرة المدرسة عقب موقفها خلال جولة محافظ القليوبية، بعدما دار الحديث حول حالة المدرسة وما تحتاجه من أعمال، لتكشف صالحة أبو الفضل أنها تحملت من مالها الخاص نفقات متعلقة بإصلاح وتوصيل بعض المرافق، من بينها الكهرباء والمياه والصرف الصحي، بعد تعثر الاستجابة لما تحتاجه المدرسة عبر الإجراءات المعتادة، بحسب الرواية المتداولة عن الواقعة.
المشهد لم يكن مجرد رد من مديرة مدرسة أمام مسؤول تنفيذي، بل فتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف يصل الأمر بمدير مدرسة حكومية إلى الإنفاق من ماله الخاص على احتياجات يفترض أن تتحملها الجهات المختصة؟
دفعت من مالها.. رغم أنها ليست مطالبة بذلك
ليس مطلوبًا من صالحة أبو الفضل، ولا من أي معلم أو مدير مدرسة، أن يتحمل من راتبه تكلفة صيانة منشأة تعليمية حكومية. تلك مسؤولية مؤسسات الدولة والجهات المعنية، لكن ما فعلته المديرة يعكس الطريقة التي نظرت بها إلى المدرسة؛ لم تعتبرها مبنى تغادره في نهاية ساعات العمل، وإنما مكانًا تقضي فيه يومها وسط طلاب تعتبرهم أبناءها.
اختارت التدخل حين رأت أن المدرسة تحتاج إلى إصلاح، لكنها في الوقت نفسه كشفت دون أن تقصد أزمة تستحق التوقف أمامها؛ فإذا كان المسؤول عن المدرسة مضطرًا للإنفاق من ماله حتى تستمر بعض مرافقها بصورة مناسبة، فأين الخلل الذي أوصل الأمور إلى هذه المرحلة؟
التكريم لا يكفي وحده
يستحق موقف صالحة أبو الفضل التقدير، لكن الاحتفاء بها لا ينبغي أن يحول الواقعة إلى نموذج يُطلب تكراره من بقية المعلمين. الأصل ألا يدفع مدير المدرسة من جيبه، وألا يصبح إخلاص المعلم بديلًا عن مسؤولية الجهات المختصة بالصيانة والتطوير وتوفير بيئة تعليمية مناسبة.
ومن هنا، فإن أفضل تكريم لهذه السيدة لا يقتصر على كلمات الشكر، وإنما يبدأ من معرفة لماذا اضطرت إلى الإنفاق من مالها، وما الطلبات التي تقدمت بها، وأين تعطلت، وكيف يمكن ضمان ألا يواجه مدير مدرسة آخر الموقف نفسه.
صورة المعلم التي نحتاجها
بعيدًا عن الجدل الذي صاحب الجولة، أعادت صالحة أبو الفضل إلى الواجهة معنى قديمًا لمهنة التعليم؛ أن يكون المعلم مربيًا قبل أن يكون موظفًا، وأن يشعر بأن المدرسة وطلابها مسؤولية تتجاوز حدود الأوراق والحضور والانصراف.
لكنها، في المقابل، أعادت إلى الواجهة مسؤولية أخرى لا تقل أهمية: المعلم يستطيع أن يمنح المدرسة جهده وقلبه وعلمه، أما الكهرباء والمياه والصرف والصيانة، فلا ينبغي أن تكون فاتورتها في جيبه.
تحية للأستاذة صالحة أبو الفضل عرفة، ليس لأنها أنفقت من مالها فحسب، وإنما لأنها جعلت موقفًا داخل مدرسة في كفر الجزار يطرح سؤالًا يستحق إجابة من المسؤولين: لماذا اضطرت إلى أن تفعل ذلك من الأساس؟








