49 عامًا من التوسع.. كيف تحولت «نيو مارين» من وكالة بحرية إلى مجموعة لوجستية؟

من مكتب صغير وموظف واحد في الإسكندرية، إلى شركة تتحرك بين الموانئ المصرية وقناة السويس وأسواق إقليمية، لم تكن رحلة «نيو مارين» الممتدة منذ عام 1977 مجرد قصة توسع لشركة تعمل في النقل البحري، بقدر ما كانت رحلة انتقال من خدمة السفن إلى محاولة بناء منظومة متكاملة للنقل واللوجستيات.
على مدار نحو نصف قرن، اتسعت خريطة أعمال الشركة من التوكيلات الملاحية إلى الشحن الدولي والسمسرة وتأجير السفن وتموينها، والخدمات اللوجستية وشحنات المشروعات والأحمال الثقيلة، فيما ظل موقع مصر بين البحرين المتوسط والأحمر، وقناة السويس في قلب حركة التجارة العالمية، المحور الذي بُني حوله جانب كبير من نشاطها.
لكن المحطة التي كشفت مبكرًا حجم طموح «نيو مارين» جاءت عندما قررت الخروج من حدود البحر والرهان على النيل، عبر شراكة استثمارية مع مجموعة الخرافي الكويتية لتأسيس «الشرق الأوسط للنقل النهري»، في مشروع برأس مال مصدر معلن بلغ 150 مليون دولار، استهدف إنشاء خمسة موانئ نهرية وبناء منظومة لنقل وتفريغ وتخزين الحبوب.
وبين المؤسس الربان عبد الرحمن سليم العَوَا، الذي حمل إلى الشركة خبرة بدأت في البحرية التجارية ومرت بهيئة قناة السويس والعمل البحري خارج مصر، ومحمد عبد الرحمن العَوَا الذي انتقل داخل «نيو مارين» من قلب العمليات إلى موقع المدير العام، ثم ظهور جيل جديد داخل أنشطة المجموعة، تشكلت قصة شركة ارتبط اسمها بأكثر من جيل من عائلة العَوَى.
ولم تتوقف الرحلة عند التوكيلات أو مشروع النقل النهري؛ إذ دفعت «نيو مارين» بنشاطها إلى سوق أكثر تعقيدًا، هو شحنات المشروعات والـBreakbulk والأحمال الثقيلة، وصولًا إلى عمليات من بينها نقل منصة نفطية مفككة من تونس إلى الإسكندرية، في مشروع تجاوز حجم شحناته 29 ألف متر مكعب وامتد تنفيذه لأشهر.
من هنا، تصبح قصة «نيو مارين» أكبر من تاريخ شركة ملاحة بدأت عام 1977؛ إنها قصة 49 عامًا من الرهان على البحر والنهر والموانئ واللوجستيات، ومن مكتب بموظف واحد إلى شبكة أعمال متعددة الأنشطة، ومن خبرة المؤسس إلى محمد العَوَا والجيل الجديد، وبين مشروع بـ150 مليون دولار مع الخرافي وعمليات الشحن الثقيل العابرة للحدود، تتكشف فصول واحدة من التجارب المصرية الممتدة في قطاع النقل البحري.

من البحر بدأت الحكاية
تعود جذور «نيو مارين» إلى خبرة بحرية سبقت تأسيس الشركة بأكثر من عقدين، مع المسيرة المهنية للربان عبد الرحمن سليم العَوَا.
بدأ العَوَى حياته البحرية عام 1956 بالالتحاق بالبحرية التجارية المصرية كطالب بحري، قبل أن ينتقل عام 1966 للعمل مرشدًا بهيئة قناة السويس، ويستمر حتى توقف الملاحة بالقناة عقب حرب يونيو 1967.
وفي عام 1970 انتقل للعمل في ميناء جدة، ثم توجه في العام التالي إلى ليبيا، حيث شارك بخبراته في مرحلة تأسيس وتطوير الأسطول التجاري الليبي، قبل أن ينتقل عام 1974 للعمل في مجال إدارة الأسطول والعمليات البحرية.
وبعد رحلة جمعت بين العمل على السفن والموانئ وقناة السويس والخبرة خارج مصر، جاءت الخطوة الأهم عام 1977 بتأسيس «نيو مارين» في الإسكندرية، لتتحول الخبرة الفردية في البحر إلى كيان يعمل في سوق الخدمات البحرية.

مكتب وموظف واحد.. بداية «نيو مارين»
كانت البداية محدودة للغاية؛ مكتب واحد وموظف واحد، قبل أن تتسع أعمال «نيو مارين» تدريجيًا بالتوازي مع نمو نشاطها في السوق البحرية.
وتحولت الشركة بمرور السنوات إلى شبكة تغطي عملياتها عددًا من الموانئ المصرية والمواقع البحرية الرئيسية، بينما ظلت الإسكندرية مركزًا رئيسيًا لأعمالها.
وامتد نطاق نشاطها إلى الإسكندرية والدخيلة وأبو قير ودمياط وبورسعيد وشرق بورسعيد، ثم السويس والعين السخنة وسفاجا والعريش والقصير، إلى جانب العمليات المرتبطة بالسفن العابرة لقناة السويس.
وأصبح انتشار الشركة بين البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس عاملًا أساسيًا في توسيع قدرتها على خدمة السفن والبضائع عبر أكثر من نقطة داخل السوق المصرية.

محمد العَوَا.. من العمليات إلى الإدارة
مع توسع أعمال الشركة، برز محمد عبد الرحمن العَوَا كأحد الأسماء الرئيسية في الجيل التالي لإدارة «نيو مارين».
وانطلقت مسؤولياته من قلب العمليات البحرية، وهي المنطقة الأكثر ارتباطًا بالنشاط اليومي لشركات الوكالة الملاحية، قبل أن تتسع مسؤولياته الإدارية وصولًا إلى موقع المدير العام.
وجمع دوره بين الخبرة التشغيلية وإدارة النشاط، في مرحلة كانت الشركة تتحرك خلالها من نموذج الوكيل الملاحي التقليدي إلى تقديم مجموعة أوسع من الخدمات.
وبالتوازي، حافظت «نيو مارين» على امتداد إداري عبر أجيال مختلفة، وظهر في أنشطتها خلال السنوات الأخيرة كل من سليم العَوَا ويوسف العَوَا، مع مشاركة ممثلين عن الشركة في فعاليات دولية متخصصة في النقل البحري وشحنات المشروعات.

أكثر من مجرد وكيل ملاحي
لم يعد نشاط «نيو مارين» مقتصرًا على تمثيل السفن وإنهاء إجراءاتها داخل الموانئ.
ويمتد النشاط إلى تموين السفن وتوفير احتياجاتها، وخدمات تغيير الأطقم والصيانة وقطع الغيار، إلى جانب خدمات اليخوت.
كما دخلت الشركة مجالات السمسرة البحرية وتأجير السفن، والشحن البحري والجوي، والتخليص الجمركي والنقل البري، فضلًا عن الخدمات اللوجستية المتكاملة.
وتتعامل كذلك مع الشحن البحري بنظامي الحاويات الكاملة FCL والشحنات الجزئية LCL، ما جعل النشاط يمتد إلى أكثر من حلقة داخل سلسلة حركة البضائع.

قناة السويس في قلب عمليات الشركة
تمثل قناة السويس أحد المحاور الرئيسية في خريطة عمل «نيو مارين»، باعتبارها حلقة الاتصال بين البحرين المتوسط والأحمر وأحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
وتتعامل الشركة مع الخدمات المرتبطة بالسفن العابرة للقناة، من الإجراءات والتنسيق التشغيلي إلى احتياجات السفن والأطقم والخدمات المرتبطة بعملية العبور.
وتفرض طبيعة هذا النشاط العمل وفق جداول زمنية شديدة الدقة، إذ تتحول ساعات الانتظار بالنسبة للسفن التجارية إلى تكلفة إضافية.
ولهذا يعتمد نشاط الوكالة البحرية في قناة السويس على سرعة التنسيق بين السفينة والجهات المختصة ومقدمي الخدمات، وهي منظومة جعلت العمل على مدار الساعة جزءًا أساسيًا من عمليات الشركة.

شراكة الخرافي.. الرهان الكبير على النيل
واحدة من أهم المحطات في رحلة «نيو مارين» جاءت عام 2013، عندما انتقلت المجموعة من التركيز على البحر إلى محاولة بناء استثمار كبير في النقل النهري.
ودخلت شركة ألفا ترانس للنقل النهري التابعة للمجموعة في شراكة مع مجموعة الخرافي الكويتية لتأسيس شركة الشرق الأوسط للنقل النهري «MERT».
وكان المشروع يستهدف إنشاء منظومة متكاملة لتفريغ ونقل وتخزين الحبوب باستخدام نهر النيل، بدلًا من الاقتصار على عمليات النقل التقليدية عبر الطرق.
وضمت الشركة المشتركة مجموعة من المساهمين المصريين والكويتيين، وتولى رجل الأعمال الكويتي مرزوق ناصر الخرافي رئاسة الشركة، بينما تولى خالد العَوَا منصب العضو المنتدب.
150 مليون دولار وخطة لإنشاء 5 موانئ
حجم المشروع كشف أن شراكة «نيو مارين» و«الخرافي» لم تكن تعاونًا محدودًا، بل محاولة لإنشاء استثمار لوجستي واسع.
بلغ رأس المال المصدر المعلن لشركة الشرق الأوسط للنقل النهري 150 مليون دولار، فيما بلغ المدفوع منه في تلك المرحلة نحو 15 مليون دولار، وبلغت حصة مجموعة «نيو مارين» في المشروع 20%.
أما الخطة طويلة الأجل فاستهدفت إنشاء خمسة موانئ على امتداد نهر النيل خلال سبع سنوات.
وتضمنت التصورات إنشاء مناطق ومرافق لتخزين الحبوب في الإسكندرية، ضمن منظومة تبدأ من استقبال البضائع وتفريغها وتخزينها، ثم نقلها عبر الوحدات النهرية إلى وجهاتها المختلفة.
وكان الهدف بناء سلسلة لوجستية تستطيع التعامل مع كميات كبيرة من البضائع، وتوفير بديل للنقل البري في بعض أنواع الشحنات.
لماذا راهنت «نيو مارين» على النقل النهري؟
لم يكن دخول النقل النهري بعيدًا عن طبيعة نشاط المجموعة.
فالشركة التي بنت خبرتها حول حركة السفن والبضائع رأت في نهر النيل امتدادًا محتملًا لسلسلة النقل، بحيث لا تنتهي العملية عند وصول السفينة إلى الميناء.
النقل النهري يسمح بتحريك كميات كبيرة من البضائع في الرحلة الواحدة، خاصة الحبوب والشحنات الثقيلة، مع إمكانية تقليل الضغط على شبكة الطرق واستهلاك الوقود وتكاليف النقل البري.
وهكذا كان مشروع الخرافي يمثل محاولة للانتقال من خدمة حركة التجارة إلى الاستثمار في البنية الأساسية التي تتحرك التجارة من خلالها.
اضطرابات 2013 تعطل الطموح
واجه المشروع في المقابل واحدة من أصعب الفترات الاقتصادية والسياسية التي مرت بها السوق المصرية.
وتسببت اضطرابات 2013 وعدم استقرار المناخ الاستثماري في تعطيل أجزاء من المشروع، لتبدأ تحركات لإعادة ترتيب هيكله التمويلي.
ودخلت «نيو مارين» في مفاوضات مع البنك الأهلي المصري والبنك التجاري الدولي CIB للمشاركة في تمويل مشروعات شركة الشرق الأوسط للنقل النهري.
وفي تلك المرحلة، استمرت مجموعة الخرافي باعتبارها المستثمر الأجنبي الرئيسي في المشروع، بالتوازي مع البحث عن مصادر تمويل تساعد على تنفيذ الخطط الاستثمارية.
وتضمنت الخطط المطروحة أيضًا إنشاء ثلاثة موانئ نهرية في الإسكندرية، إلى جانب المنافسة على موانئ أخرى ضمن المشروعات المرتبطة بتطوير النقل النهري.
ورغم ما واجهته الخطة من عقبات، ظلت تجربة الخرافي واحدة من أهم المحطات التي تكشف طبيعة التفكير الاستثماري للمجموعة ورغبتها في تجاوز النشاط الملاحي التقليدي.
من الحاويات إلى الأحمال العملاقة
واصلت «نيو مارين» في مراحل لاحقة توسيع نطاق نشاطها، وبرزت شحنات المشروعات Project Cargo والـBreakbulk والأحمال الثقيلة كأحد المجالات المهمة في أعمالها.
وتختلف هذه السوق جذريًا عن شحن الحاويات التقليدية.
فالمعدات الصناعية والمنشآت الضخمة والوحدات التي تزن عشرات الأطنان لا يمكن التعامل معها وفق إجراءات الشحنة العادية، بل تحتاج إلى تخطيط يبدأ بدراسة الأبعاد والأوزان ونقاط الرفع والتثبيت.
ويشمل العمل اختيار السفينة المناسبة، وتحديد معدات التحميل والتفريغ، ودراسة إمكانات الموانئ ومسارات النقل البري، ووضع خطة لكل قطعة حتى وصولها إلى وجهتها النهائية.
29 ألف متر مكعب من تونس إلى الإسكندرية
جاءت عملية نقل منصة نفطية مفككة من جرجيس في تونس إلى الإسكندرية لتكشف حجم العمليات التي وصلت إليها الشركة في سوق شحنات المشروعات.
تجاوز إجمالي حجم الشحنات في العملية 29 ألف متر مكعب، ووصل وزن بعض الوحدات المنقولة إلى أكثر من 70 طنًا.
ونُفذ المشروع عبر أربع شحنات منفصلة، فيما استغرقت عملية التخطيط والتنفيذ أكثر من ثمانية أشهر.
وتبرز أهمية العملية في أنها لم تكن مجرد رحلة لنقل بضائع بين ميناءين، وإنما مشروع لوجستي متعدد المراحل يحتاج إلى تنسيق بين الأطراف المختلفة وإدارة الأحمال غير التقليدية.
أفريقيا تدخل خريطة «نيو مارين»
امتدت تحركات «نيو مارين» إلى أسواق خارج مصر، خاصة شمال أفريقيا والبحر الأحمر، مع توسيع شبكة العلاقات والوكلاء والشركاء المرتبطين بالنشاط البحري.
كما تحركت الشركة في عمليات شحن باتجاه أسواق أفريقية، بالتوازي مع مشاركتها في فعاليات دولية متخصصة في الـBreakbulk والـProject Cargo.
ويمنح الموقع المصري الشركة قاعدة جغرافية قادرة على خدمة أكثر من اتجاه؛ شمالًا نحو البحر المتوسط، وجنوبًا وشرقًا عبر البحر الأحمر، وغربًا باتجاه أسواق شمال أفريقيا، مع وجود قناة السويس كحلقة اتصال مباشرة بحركة التجارة بين الشرق والغرب.
خبير قانون دولي: التحرك الأمريكي في ملف سد النهضة قد يجنّب المنطقة سيناريو المواجهة العسكرية
ثلاثة أجيال ورحلة تقترب من نصف قرن
بدأت قصة «نيو مارين» بخبرة الربان عبد الرحمن سليم العَوَا في البحر، ثم انتقلت إلى شركة صغيرة عام 1977، قبل أن تدخل مرحلة توسع شارك فيها محمد عبد الرحمن العَوَا من العمليات إلى الإدارة، وصولًا إلى ظهور جيل جديد داخل أنشطة المجموعة.
وبين هذه الأجيال تغيرت طبيعة الأعمال نفسها، فمن وكالة السفن إلى قناة السويس، ومن الشحن والسمسرة إلى الخدمات اللوجستية، ومن شراكة الخرافي والرهان على النقل النهري إلى الأحمال الثقيلة وشحنات المشروعات، اتسعت خريطة الشركة مع تغير صناعة النقل نفسها.
وبعد 49 عامًا من تأسيسها، تقترب «نيو مارين» من إكمال نصف قرن داخل قطاع لا تتوقف فيه المنافسة عند حدود السوق المصرية، وإنما تمتد إلى شبكات دولية من ملاك السفن والموانئ والوكلاء وشركات الخدمات اللوجستية.
وبين البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس ونهر النيل، تتلخص رحلة «نيو مارين» في محاولة مستمرة لتوسيع موقعها داخل سلسلة حركة التجارة؛ من مكتب وموظف واحد في الإسكندرية إلى نشاط متعدد الأذرع، ومن خدمة السفن إلى الرهان على الموانئ والنقل واللوجستيات، ومن مشروع بـ150 مليون دولار مع الخرافي إلى إدارة شحنات عملاقة عابرة للحدود.
إنها رحلة اقتربت من نصف قرن، بدأت من البحر، لكنها لم تتوقف عنده.





