«أحمد شعبان.. من شاب في صعيد مصر إلى مؤسس أكبر صرح مصري لصناعة ماكينات الـCNC»

في عالم الصناعة، لا تُكتب قصص النجاح بالمصادفة، بل تبدأ غالبًا بحلم صغير يرفض صاحبه أن يتخلى عنه، هكذا كانت رحلة المهندس أحمد شعبان، الشاب القادم من محافظة المنيا، الذي لم يكن يرى مستقبله في الوظيفة التقليدية، وإنما في بناء مشروع يترك أثرًا حقيقيًا في الصناعة المصرية.
منذ سنواته الأولى، كان شغفه بالأعمال الحرة يسبق اهتمامه بالدراسة الجامعية، ويقول أحمد شعبان في إحدى لقاءاته إنه لم يكن يطمح إلى مجرد الحصول على شهادة جامعية، بل كان يبحث عن طريق يقوده إلى عالم ريادة الأعمال، حتى إنه كان يميل إلى دراسة التجارة قبل أن يلتحق بكلية الهندسة بجامعة المنيا، حيث وجد نفسه في النهاية بين الهندسة والتفكير التجاري معًا.
وخلال سنوات الدراسة، لم ينتظر التخرج ليبدأ العمل، خاض مع أصدقائه أولى تجاربه التجارية بتصميم وتنفيذ لوحات إعلانية مضيئة للمحال التجارية، مستخدمين خامات بسيطة وأفكارًا مبتكرة، لم تحقق التجربة النجاح الذي كانوا يتمنونه، وتعرضوا لخسائر ومواقف صعبة، لكنها كانت المدرسة الأولى التي تعلم منها أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل بداية لاكتساب الخبرة.
داخل كلية الهندسة، شارك أحمد شعبان في مسابقات الروبوتات والتصميم الهندسي، في وقت كانت الإمكانات محدودة للغاية، وبينما كانت جامعات أخرى تحصل على ميزانيات كبيرة، كان فريق جامعة المنيا يعمل بموارد متواضعة، لكنه استطاع أن يحول قلة الإمكانات إلى دافع للابتكار، وهناك التقى بشريكي رحلته، لتبدأ ملامح المشروع الذي سيغير مسار حياتهم.
وجاء مشروع التخرج ليشكل نقطة التحول الحقيقية. قرر الفريق تصميم ماكينة تعمل بتقنية التحكم الرقمي (CNC)، ولم يتعاملوا معها كمشروع أكاديمي ينتهي بالحصول على التقدير، بل باعتبارها منتجًا يمكن أن يرى النور داخل السوق المصرية، كانت الفكرة جريئة في وقت كانت فيه معظم هذه الماكينات تُستورد من الخارج، لكن أحمد شعبان آمن بأن المهندس المصري قادر على تصنيعها محليًا.
«الدكتور أنور حلمي».. الطبيب الذي نقل جراحات الكلى والمسالك إلى عصر الروبوت وصناعة الأمل للمرضى
بعد التخرج، اختار كل شريك طريقًا لاكتساب الخبرة، عمل أحمد شعبان في تشغيل وتطوير أحد المصانع، بينما ركز شريكه على البحث والتطوير، واستمروا في تحسين النموذج الأول للماكينة حتى أصبحت جاهزة للإنتاج، وفي عام 2013 خرجت شركة Simplex CNC إلى النور، ليس من مصنع ضخم، وإنما من ورشة صغيرة وإمكانات محدودة، لكنها كانت تحمل حلمًا كبيرًا بتغيير واقع الصناعة المصرية.
واجهت الشركة في سنواتها الأولى تحديات كبيرة، أبرزها إقناع العملاء بالاعتماد على ماكينة مصرية في سوق يثق أكثر في المنتج المستورد، لكن أحمد شعبان راهن على الجودة وخدمة ما بعد البيع والتطوير المستمر، ونجح تدريجيًا في بناء ثقة العملاء، حتى بدأت الشركة تتوسع داخل السوق المحلية.
وفي عام 2017 حققت الشركة أول خطوة في التصدير بإرسال أول ماكينة إلى العراق، وهي تجربة دفعتها إلى تطوير تقنيات المراقبة والدعم الفني عن بُعد، لتصبح خدماتها قادرة على الوصول إلى العملاء خارج الحدود المصرية، وهو ما فتح الباب أمام التوسع في أسواق جديدة.
ومع مرور السنوات، تحولت الورشة الصغيرة إلى كيان صناعي يضم مئات العاملين، وتوسعت منتجات الشركة لتخدم عشرات القطاعات الصناعية، مع تصدير ماكيناتها إلى العديد من الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، وتُعد Simplex CNC اليوم واحدة من أبرز الشركات المصرية المتخصصة في تصنيع ماكينات التحكم الرقمي، وتخدم أكثر من 17 دولة حول العالم، واضعة شعار “صنع في مصر” على منتجات تنافس عالميًا.
لم يكن أحمد شعبان يسعى إلى بناء شركة ناجحة فحسب، بل إلى ترسيخ فكرة أن التصنيع المحلي قادر على منافسة كبرى الشركات العالمية متى توفرت الإرادة والمعرفة، لذلك حرص على الاستثمار في البحث والتطوير، وتدريب الكوادر المصرية، والمشاركة في دعم منظومة ريادة الأعمال الصناعية، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بقصة نجاح ملهمة بدأت من مشروع تخرج في جامعة المنيا، وانتهت إلى واحد من أبرز النماذج الصناعية المصرية في المنطقة.
اليوم، يمثل أحمد شعبان نموذجًا مختلفًا لرائد الأعمال؛ مهندسًا آمن بأن الصناعة ليست مجرد آلات، بل رؤية، وأن الحلم مهما بدأ صغيرًا داخل ورشة متواضعة، يمكن أن يتحول إلى مصنع يرفع اسم مصر في الأسواق العالمية.






