أكثر من 120 طريقة وامتدادًا صوفيًا في مصر.. ماذا يحدث خارج المظلة الرسمية للمشيخة؟

بين عشرات الطرق الصوفية المعترف بها رسميًا في مصر، ومجموعات وامتدادات صوفية أخرى تنشط خارج المظلة المؤسسية، تكشف تصريحات وقرارات رسمية متفرقة عن خريطة أكبر وأكثر تعقيدًا للتصوف المصري، شهدت خلال الفترة الأخيرة دخول طرق جديدة إلى قائمة المعترف بها، في الوقت الذي تنتظر فيه طلبات أخرى استكمال مسار طويل من الإجراءات القانونية.
وكان الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر وشيخ الطريقة الصديقية الشاذلية، قد كشف في أغسطس 2025 أن عدد الطرق الصوفية المسجلة في مصر بلغ وقتها 79 طريقة، وأن 15 طريقة أخرى تقدمت بطلبات للانضمام، بينما توجد طرق لم تتقدم بطلبات من الأساس، مقدرًا إجمالي الطرق والامتدادات الصوفية بأكثر من 120.
لكن الخريطة لم تتوقف عند هذه الأرقام، إذ شهد عام 2026 إشهار طرق جديدة وإعادة ترتيب قيادات عدد من الطرق القائمة، وهو ما يطرح سؤالًا حول مصير طلبات الإشهار التي كانت تنتظر الاعتراف الرسمي.
طرق جديدة تعبر إلى القائمة الرسمية
خلال 2026، دخلت «الطريقة الأكبرية الحاتمية» إلى الخريطة الرسمية للطرق الصوفية، بعد استكمال إجراءات إشهارها وتعيين الشيخ أيمن إبراهيم حسن حمدي شيخًا لها.
وكان المجلس الأعلى للطرق الصوفية قد وافق على إشهار الطريقة وتعيين شيخها قبل استكمال الإجراءات القانونية اللاحقة وصدور القرار الرسمي.
كما جرى إشهار «الطريقة المحمدية الزروقية الشاذلية»، وتعيين الدكتور محمد عبدالصمد مهنا شيخًا لها، بعد المرور بالإجراءات القانونية والحصول على الموافقات اللازمة.
وتكشف الحالتان أن الانتقال من وجود جماعة أو امتداد صوفي على الأرض إلى طريقة معترف بها رسميًا لا يحدث بمجرد إعلان مؤسسي داخلي، وإنما يمر بعدة مراحل قبل اكتمال الإشهار.
ماذا حدث للـ15 طلبًا؟
هنا تظهر واحدة من أهم النقاط غير المحسومة في الخريطة الصوفية الحالية.
فالتصريح الذي كشف وجود 15 طريقة متقدمة للانضمام صدر قبل إشهار الطرق الجديدة، بينما لا تتوافر حتى الآن قائمة رسمية حديثة منشورة توضح أسماء جميع أصحاب تلك الطلبات، وما إذا كانت الطرق التي أُشهرت مؤخرًا من بينها، وعدد الطلبات التي لا تزال قيد الدراسة.
كما لا توجد بيانات منشورة توضح بصورة شاملة عدد الطلبات التي حصلت على موافقات مبدئية، أو التي استُبعدت، أو التي تنتظر استكمال إجراءاتها أمام الجهات المختصة.
وبالتالي، فإن القول بوجود 15 طريقة «تنتظر حاليًا» الاعتراف الرسمي سيكون غير دقيق، لكن الرقم يكشف أن باب الانضمام إلى الخريطة الرسمية كان يشهد بالفعل طلبات متعددة.
الاعتراف ليس تلقائيًا
ويحدد القانون رقم 118 لسنة 1976 بشأن نظام الطرق الصوفية إطار عمل الطرق والمشيخة والمجلس الأعلى.
ولا يعني امتلاك جماعة صوفية شيخًا وأتباعًا وساحات أو ممارسة أنشطة دينية أنها أصبحت تلقائيًا طريقة معترفًا بها داخل الهيكل الرسمي.
وتخضع عملية إنشاء وإشهار الطرق الجديدة لإجراءات قانونية ومؤسسية، كما تظهر موافقات جهات الدولة ضمن مسار اعتماد بعض القرارات المتعلقة بشيوخ الطرق.
ولهذا شهدت الساحة على مدار السنوات الماضية كيانات لم تتمكن من الحصول على الاعتراف الرسمي.
ومن أبرز الحالات المعروفة «الصلاحية التيجانية»، المرتبطة بصلاح الدين التيجاني، الذي تقدم بطلب لإنشاء طريقة مستقلة بهذا الاسم عام 2017، إلا أن الطلب لم يحصل على الموافقة بعد اعتراضات مرتبطة بالطريقة التيجانية القائمة.
وفي المقابل، توجد كيانات صوفية لا تسعى أصلًا للدخول تحت مظلة المشيخة، ومن بينها «الخلوتية الحسانية»، التي سبق أن أكد شيخها محمد الطيب عدم تقدمها بطلب للحصول على الاعتماد الرسمي.
وهنا تظهر الفروق داخل المساحة الموجودة خارج القائمة الرسمية: فليس كل كيان غير مسجل «مرفوضًا»، وليس كل كيان خارج المشيخة «منتظرًا للاعتماد».
لماذا يهم الاعتراف الرسمي؟
الحصول على الاعتراف لا يتعلق بالاسم فقط.
فالطريقة المعترف بها تصبح جزءًا من البنية التي ينظمها قانون الطرق الصوفية، وتدخل ضمن الإطار المؤسسي للمشيخة والمجلس الأعلى، بما يرتبط بتنظيم شؤونها وقيادتها وأنشطتها وفق القواعد القانونية.
كما يمنح القانون المجلس الأعلى صلاحيات تتعلق بتنظيم النشاط الصوفي والتعامل مع الممارسات والكيانات التي تستخدم صفات أو تمارس نشاطًا صوفيًا خارج الأطر المنظمة.
ومن هنا يصبح الفصل بين «طريقة رسمية» و«امتداد صوفي موجود على الأرض» مسألة قانونية ومؤسسية، وليس مجرد خلاف حول التسمية.
خريطة تتحرك في 2026
ولا تقتصر التحركات الأخيرة على إشهار طرق جديدة.
فخلال العام نفسه صدرت قرارات بتعيين 11 شيخًا لعدد من الطرق الصوفية، في خطوة وصفتها المشيخة بأنها تأتي ضمن استكمال البناء المؤسسي وتعزيز الدور الدعوي والتربوي والاجتماعي للطرق.
وتزامن ذلك مع تحركات للمشيخة لتوسيع النشاط في المحافظات وتعزيز حضورها التنظيمي والدعوي.
وبذلك يبدو عام 2026 لافتًا على مستوى إعادة ترتيب جزء من المشهد الصوفي: طرق جديدة تحصل على الاعتراف، قيادات جديدة تتولى طرقًا قائمة، وفي الخلفية مساحة أوسع من الجماعات والامتدادات التي لا تزال خارج المظلة الرسمية لأسباب مختلفة.
أكثر من 120.. لكن من هم؟
تبقى هذه هي الفجوة الأكبر في المعلومات المتاحة.
فإذا كان التقدير المعلن يتحدث عن أكثر من 120 طريقة وامتدادًا صوفيًا، بينما كان عدد المسجل رسميًا 79 عند صدور التصريح في أغسطس 2025، فإن ذلك يعني وجود مساحة كبيرة من النشاط الصوفي خارج القائمة الرسمية وقتها.
لكن التعامل مع الفارق باعتباره عددًا من «الطرق غير الشرعية» سيكون خاطئًا؛ لأن الرقم يشمل أو قد يشمل أوضاعًا مختلفة: طلبات إشهار، امتدادات وفروعًا، جماعات لم تتقدم للاعتراف، وأخرى قد لا تنطبق عليها أصلًا صفة الطريقة المستقلة وفق التعريف القانوني.
ومع دخول طرق جديدة إلى القائمة خلال 2026، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: كم عدد الطرق الصوفية في مصر؟
بل: ما الخريطة الرسمية المحدثة للطرق؟ وكم طلب إشهار لا يزال أمام المجلس الأعلى؟ ومن ينتظر الحصول على الاعتراف التالي؟
الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تكشف للمرة الأولى بصورة دقيقة حجم المساحة الواقعة بين التصوف الشعبي الموجود على الأرض، والتصوف الذي تعترف به الدولة رسميًا.

