السياسة

«من الاقتصاد إلى الدفاع.. زيارة شي تكشف توسع الشراكة بين مصر والصين»

✒️ كتب: حسام رأفت

لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة يومي 1 و2 سبتمبر 2026 زيارة اقتصادية فقط، فبينما كانت المباحثات السياسية تعقد في قصر الاتحادية، كانت المقاتلات المصرية والصينية تنفذ في الوقت نفسه تدريبات جوية مشتركة داخل مصر، في مشهد يعكس مستوى متقدمًا من التعاون بين القاهرة وبكين يتجاوز التجارة والاستثمارات إلى المجالين الأمني والعسكري.

وتزداد دلالة التوقيت مع ما تضمنه البيان المصري الصيني المشترك الصادر في ختام الزيارة من اتفاق على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة والتنسيق في ملفات سياسية وأمنية، بالتزامن مع طرح الرئيس الصيني من القاهرة رؤية بشأن بناء إطار أمني جديد في الشرق الأوسط.

الرئيس الصيني في القاهرة.. والمقاتلات الصينية في القواعد المصرية

قبل وصول شي جين بينغ إلى مصر بنحو عشرة أيام، أعلنت القوات المسلحة في 22 أغسطس انطلاق التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026».

لكن التدريب لم ينتهِ قبل الزيارة.

ففي الأول من سبتمبر، وهو اليوم الأول لزيارة الرئيس الصيني، أعلنت القوات المسلحة المصرية استمرار فعاليات التدريب بمشاركة مقاتلات متعددة المهام من البلدين في عدد من القواعد الجوية المصرية.

وتجاوزت التدريبات التحليق المشترك؛ إذ شملت إدارة أعمال قتال جوي لمهاجمة أهداف معادية وحماية أهداف حيوية، والتخطيط للعمليات الجوية الحديثة، إلى جانب التدريب على التزود بالوقود في الجو.

وقالت القوات المسلحة إن الهدف هو تطوير قدرة وجاهزية القوات الجوية في البلدين للعمل المشترك ورفع مستوى التنسيق بين العناصر المشاركة.

وهنا تبرز المفارقة السياسية: بينما كان الرئيس الصيني يبدأ أول زيارة له إلى مصر منذ عشر سنوات، كانت قوات البلدين تتدرب بالفعل على تنفيذ عمليات جوية مشتركة.

من «التعاون» إلى العمل المشترك

أهمية التدريب لا تكمن فقط في مشاركة مصر والصين في مناورة عسكرية، وإنما في طبيعة المهام التي أعلنت عنها القوات المسلحة رسميًا.

فتوحيد المفاهيم القتالية والتخطيط وإدارة القتال الجوي والتزود بالوقود جوًا تتطلب مستوى من التنسيق الفني والعملياتي بين قوات تستخدم منظومات وتسليحًا من مدارس مختلفة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بالنسبة إلى مصر، التي تعتمد قواتها المسلحة على منظومة متنوعة من مصادر التسليح الغربية والشرقية، بينما تمثل الصين أحد أكبر منتجي السلاح والتكنولوجيا العسكرية في العالم.

ولم تعلن القاهرة أو بكين خلال زيارة شي عن تحالف عسكري أو تغيير في طبيعة العلاقات الدفاعية، وبالتالي سيكون من المبالغة وصف ما يجري بأنه تحول في التحالفات المصرية.

لكن التدريب يقدم مؤشرًا واضحًا على اتساع مساحة التعاون العسكري بين البلدين.

كلمة ظهرت في البيان: «التوازن الاستراتيجي»

وتوجد داخل البيان المشترك للزيارة إشارة سياسية تستحق التوقف عندها.

فقد أشاد الجانب الصيني بما وصفه بـ«مبدأ التوازن الاستراتيجي» الذي تنتهجه مصر في علاقاتها الخارجية، معتبرًا أنه يدعم التعددية الدولية.

والمصطلح مهم في توقيته.

فمصر ترتبط بعلاقات عسكرية واستراتيجية تاريخية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها مع الصين وروسيا ودول أوروبية، دون إعلان الانتقال إلى محور دولي بعينه.

وبالتالي، فإن وصف بكين الرسمي للسياسة المصرية بـ«التوازن الاستراتيجي» يقدم تفسيرًا صينيًا للطريقة التي تتحرك بها القاهرة بين القوى الكبرى.

الصين تتحدث من القاهرة عن أمن الشرق الأوسط

لكن التطور السياسي الأبرز جاء في رؤية شي للمنطقة.

فخلال زيارته، دعا الرئيس الصيني دول الشرق الأوسط إلى التفكير في إطار أمني إقليمي جديد، بالتوازي مع رفض التدخل الخارجي وتعزيز قدرة دول المنطقة على التعامل مع أزماتها.

كما اتفقت القاهرة وبكين على تعميق التعاون في المجالات الأمنية ومكافحة الإرهاب، بحسب ما نقلته رويترز عن نتائج الزيارة.

وهنا يصبح تزامن ثلاثة تطورات لافتًا: زيارة دولة للرئيس الصيني، تدريب عسكري جوي مستمر داخل مصر، وحديث صيني من القاهرة عن تصور جديد لأمن الشرق الأوسط.

ولا يثبت هذا التزامن وجود اتفاق دفاعي سري أو تحول في التحالفات المصرية، ولا توجد معلومات رسمية تسمح بالقفز إلى هذه النتيجة.

لكنه يكشف أن العلاقات بين البلدين أصبحت تتحرك في مساحة أوسع من المشروعات والاستثمارات التي تصدرت العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الماضية.

رسالة إلى واشنطن؟

زيارة شي جاءت أيضًا في توقيت دولي بالغ الحساسية.

رويترز اعتبرت الزيارة جزءًا من تحرك صيني أوسع لتعزيز حضور بكين في الشرق الأوسط، في وقت تعيد فيه التطورات الإقليمية تشكيل حسابات دول المنطقة تجاه القوى الدولية الكبرى.

لكن وصف التحركات المصرية بأنها «استبدال واشنطن ببكين» لا تدعمه الوقائع المعلنة.

الأقرب هو ما ورد في البيان نفسه: «التوازن الاستراتيجي».

القاهرة تحافظ على شراكاتها التقليدية، لكنها في الوقت نفسه توسع مساحة الحركة مع الصين في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة، والآن بصورة أكثر وضوحًا في المجال العسكري.

ماذا حدث خلال عشرة أيام؟

عند ترتيب الأحداث زمنيًا، تظهر الصورة بصورة أوضح.

في 22 أغسطس بدأت «نسور الحضارة 2026» داخل مصر. وفي الأول من سبتمبر استمرت العمليات الجوية المشتركة بالتزامن مع وصول شي جين بينغ إلى القاهرة. وفي 2 سبتمبر عقدت القمة المصرية الصينية، وصدر بيان يؤكد تعميق الشراكة الاستراتيجية، بينما طرحت بكين تصورها لأمن إقليمي جديد.

ثم غادر الرئيس الصيني القاهرة بعد زيارة وصفتها الرئاسة المصرية بالتاريخية، في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كل حدث من هذه الأحداث يمكن قراءته منفردًا.

لكن وضعها بجوار بعضها يكشف مسارًا يستحق المتابعة: العلاقات المصرية الصينية لم تعد قصة مصانع واستثمارات وطريق حرير فقط.

السؤال بعد زيارة شي أصبح: إلى أي مدى ستسمح سياسة «التوازن الاستراتيجي» المصرية بأن تتحول الشراكة مع الصين من شراكة اقتصادية وسياسية إلى تعاون أمني وعسكري أعمق؟

f
تابع يونيو نيوز على فيسبوك
تابع آخر الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة
تابعنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»