اقتصاد وبنوك

تدفقات بـ608 ملايين دولار.. هل بدأت موجة جديدة من الأموال الساخنة في مصر؟

✍️ كتب: محمود أبو السعود

شهدت السوق المصرية موجة جديدة من تدفقات المستثمرين العرب والأجانب، بعدما سجلت تعاملاتهم في أذون الخزانة بالسوق الثانوية صافي شراء يعادل نحو 608.2 مليون دولار خلال تعاملات الأربعاء، في تحرك يعيد «الأموال الساخنة» إلى واجهة المشهد الاقتصادي من جديد.

وتكتسب هذه التدفقات أهميتها من توقيتها، إذ تأتي بعد فترة شهدت تحركات سريعة للأموال الأجنبية بين الدخول والخروج من أدوات الدين المصرية، بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتقلب شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.

والرقم المسجل لا يعني دخول 608.2 مليون دولار إلى مختلف قطاعات الاقتصاد المصري، وإنما يعكس صافي مشتريات المستثمرين العرب والأجانب في أذون الخزانة بالسوق الثانوية، وهي أدوات دين حكومية قصيرة الأجل تجذب المستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة.

وتعرف هذه التدفقات باسم «الأموال الساخنة» بسبب قدرتها على التحرك بسرعة شديدة من سوق إلى أخرى، بحثًا عن أفضل مزيج بين العائد وسعر الصرف ومستوى المخاطر، وهو ما يجعل دخولها إيجابيًا على المدى القصير، لكنه يظل مختلفًا عن الاستثمار الأجنبي المباشر طويل الأجل.

وتوفر السوق المصرية في الوقت الراهن عوامل جذب مهمة لهذا النوع من المستثمرين، في مقدمتها العوائد المرتفعة على أدوات الدين الحكومية، إلى جانب حركة سعر الصرف وتقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

ولا تمثل التدفقات المسجلة خلال جلسة واحدة تحولًا كاملًا في اتجاه المستثمرين بقدر ما تكشف عن عودة قوية للطلب على أذون الخزانة، خاصة أن الأسابيع الأخيرة شهدت تحركات متباينة بين عمليات شراء كبيرة في بعض الجلسات وعمليات تخارج في جلسات أخرى.

وفي 17 أغسطس، على سبيل المثال، سجل المستثمرون الأجانب وحدهم صافي شراء في أذون الخزانة بنحو 228.4 مليون دولار، ما يعكس استمرار وجود شهية تجاه أدوات الدين المصرية رغم حالة عدم اليقين المحيطة بالأسواق.

كما شهدت السوق خلال يوليو تدفقات أجنبية قوية، إذ سجل الأجانب صافي دخول في أذون الخزانة بالسوق الثانوية تجاوز 652 مليون دولار خلال أسبوع واحد، في مؤشر على قدرة العائد المحلي على استقطاب جزء من السيولة الدولية الباحثة عن الفرص في الأسواق الناشئة.

لكن الصورة ليست في اتجاه واحد، فقد شهدت السوق كذلك عمليات خروج قوية خلال فترات سابقة، وهو ما يكشف الطبيعة شديدة الحساسية لهذه الاستثمارات تجاه الأحداث السياسية والاقتصادية وأسعار الفائدة وحركة العملات.

وهنا يظهر السؤال الأهم: ماذا تستفيد مصر من عودة الأموال الساخنة؟

تدفقات المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين ترفع الطلب على الجنيه بصورة غير مباشرة، لأن المستثمر يحتاج إلى تحويل العملات الأجنبية إلى العملة المحلية قبل الاستثمار في الأدوات المقومة بالجنيه، كما توفر سيولة دولارية وتساعد في تحسين ظروف سوق الصرف وتوسيع قاعدة المستثمرين في أدوات الدين الحكومية.

وفي المقابل، تظل هناك مخاطرة رئيسية تتمثل في سرعة خروج هذه الأموال إذا تغيرت المعادلة التي جذبتها إلى السوق، سواء نتيجة انخفاض العائد، أو ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، أو تغير توقعات المستثمرين بشأن سعر الصرف، أو ظهور فرص أكثر جاذبية في أسواق أخرى.

ولهذا لا يمكن التعامل مع تدفقات الـ608.2 مليون دولار باعتبارها بديلًا عن الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فالأخير يرتبط عادة بمصانع وشركات ومشروعات وأصول وإنتاج وفرص عمل، بينما تتحرك الأموال الساخنة بصورة أسرع داخل الأسواق المالية.

ومع ذلك، فإن عودة العرب والأجانب إلى الشراء بهذه القوة تحمل إشارة مهمة بشأن جاذبية أدوات الدين المصرية في الوقت الحالي، خاصة في ظل المنافسة بين الأسواق الناشئة على جذب السيولة العالمية.

ويبقى الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة هو مدى قدرة السوق المصرية على تحويل تحسن تدفقات المحافظ المالية إلى استقرار أطول أمدًا، بالتوازي مع زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة والصادرات والإنتاج ومصادر النقد الأجنبي الأكثر استدامة.

وبين 608.2 مليون دولار تدخل في جلسة واحدة ومليارات يمكن أن تتحرك سريعًا عند تغير الظروف، تظل «الأموال الساخنة» سلاحًا ذا حدين: تمنح الاقتصاد سيولة ودعمًا سريعًا عندما تدخل، لكنها تفرض في الوقت نفسه ضرورة بناء مصادر دولارية أكثر استقرارًا حتى لا يصبح تحرك المستثمر الأجنبي وحده مؤشرًا حاسمًا لاتجاه السوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى