مساحة رأي

د.سمير رشوان الجعفري يكتب: التلبس الرقمي.. حين يُقتل الشرف بالريموت كنترول

د.سمير رشوان الجعفري

تستوقفنا مذبحة سوهاج الأخيرة حين عاد زوج من غربته بليبيا ليقطع أجساد الخيانة في الشارع ودماء العار في شقة الزوجية، لنصطدم بعوار صريح في جوهر القانون، فيسارع البعض لإلباس الجريمة ثوب.. السبق والإصرار.. لمجرد أن الرجل قطع مسافات وساعات ليصل إلى أجسادهم، لكن هذا حبر على ورق قديم يتجاهل كيف يغلي الدم في عروق ابن البلد، فالمشرع الجنائي حين صاغ (فورة الدم) وحالة التلبس الموجبة لتخفيف العقوبة، كتب نصه في عصر كان الحدث فيه ينتهي بمجرد انقضاء المشهد ولم يكن يدرك أن عصر الفضاء الرقمي سيخلق كابوساً مرعباً اسمه.. التلبس المستمر.

فكيف لزوج يطالع مقاطع مرئية لزوجته وهي تشرع جسدها لآخرين، ألا يكون في حالة تلبس دائم يصعق عقله في كل ثانية يفتح فيها الشاشة ويفور دمه بنفس غليان الصدمة الأولى، وكأنه يراهم رأي العين في توهجها الأول، فالفيديو حول الخيانة إلى غرفة نوم مفتوحة يعيش فيها الزوج لحظة الاكتشاف الصادمة مئات المرات في اليوم، فالرجل لم يكن يخطط بدم بارد، بل كان يتحرك تحت تأثير صدمة رقمية متجددة تسلبه العقل مع كل إشعار على شاشة الموبايل.

لقد حان الوقت لفقهاء القانون أن يدركوا أن الضحية هنا ليس الجسد المقتول، بل العقل الذي تم دهسه آلاف المرات عبر الشاشات قبل أن تتحرك السكين.

تلبس شاشة الموبايل لا يقل عنفاً ولا تأثيراً عن تلبس الرؤية المباشرة.. فهل يملك المشرع الجنائي وفقهاء القانون شجاعة مواكبة هذا الواقع، أم سنظل أسرى بنود كُتبت في زمن الحبر والورق ونقيس بها مشاعر دهستها الشاشات الرقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى