بين «هيبة المنصب» و«عدالة الأجور».. رؤيتان في أزمة مكافآت القيادات الجامعية

لم يعد الجدل حول مكافآت القيادات الجامعية مجرد نقاش بشأن أرقام يحصل عليها رؤساء الجامعات، بعدما امتد إلى سؤال أكثر تعقيدًا داخل الوسط الأكاديمي: هل يكفي أن تكون المكافأة قانونية حتى ينتهي الجدل حولها، أم أن قانونية الصرف لا تمنع مناقشة عدالة القواعد التي توزع بموجبها موارد الجامعات؟
السؤال أفرز رؤيتين مختلفتين؛ الأولى يقدمها الدكتور محمد صلاح الدين عبد الهادي، الأستاذ المتفرغ بكلية الهندسة بجامعة المنيا، الذي يرى أن حصول رئيس الجامعة على مكافأة مقررة وفق القواعد المنظمة لا يجوز تحويله إلى اتهام أو مدخل للتشهير، وأن الاعتراض على قيمة المكافأة يجب أن يوجه إلى القواعد التي سمحت بها وليس إلى الشخص الذي حصل عليها.
وفي المقابل، يقدم الدكتور محمود يوسف، أستاذ الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة المصرية، رؤية تبدأ من نقطة مختلفة؛ فحتى إذا كانت المكافآت قانونية، فإن ذلك لا يمنع، بحسب رؤيته، من السؤال عن عدالة النظام الذي يسمح بفوارق كبيرة بين دخول القيادات وغالبية أعضاء هيئة التدريس.
ورغم أن الرؤيتين تبدوان متعارضتين، فإن كليهما لا يرفض من حيث المبدأ حصول القيادات الجامعية على مقابل للمسؤوليات الإضافية، كما يتفقان على ضرورة تحسين دخول أعضاء هيئة التدريس. لكن الخلاف الحقيقي بينهما يدور حول نقطة البداية: عبد الهادي يسأل هل خالف المسؤول القانون؟ بينما يوسف يسأل هل القانون نفسه يحقق العدالة؟

محمد صلاح الدين عبد الهادي: المكافأة القانونية ليست دليلًا على الفساد
ينطلق الدكتور محمد صلاح الدين عبد الهادي من الجدل الذي أثير حول ما قيل عن حصول رئيس جامعة المنيا على نحو مليونين ونصف المليون جنيه خلال عام، معتبرًا أن الرقم في حد ذاته لا يصلح دليلًا على وجود مخالفة.
ويطرح عبد الهادي سؤالًا مباشرًا: هل نحن أمام أموال حصل عليها المسؤول بالمخالفة للقانون، أم أمام مكافآت مقررة مقابل مسؤوليات ومهام إضافية؟ فإذا ثبتت مخالفة أو وجدت شبهة فساد، فإن فتح الملفات والتحقيق والمحاسبة يصبح أمرًا واجبًا، أما إذا كان الصرف يتم وفق اللوائح والقرارات المنظمة، فلا يجوز، من وجهة نظره، التعامل مع الرقم وحده باعتباره دليل إدانة.
ويرى أن الاعتراض على قيمة المكافآت، إذا كانت مقررة قانونًا، يجب أن يتجه إلى القاعدة المنظمة لها؛ فمن يرى أن القانون يسمح بمبالغ غير مناسبة يمكنه المطالبة بتغييره عبر القنوات التشريعية والقانونية، بدلًا من توجيه الاتهامات إلى من طبق عليه القانون.
عبد الهادي: مسؤولية رئيس الجامعة ليست «إدارة مكتب صغير»
يدافع عبد الهادي عن ضرورة وضع حجم المكافأة في مقابل حجم المسؤولية التي يتحملها رئيس الجامعة، مؤكدًا أن رئيس الجامعة يدير مؤسسة تضم آلاف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين، ويتحمل مسؤولية قرارات أكاديمية وإدارية ومالية وقانونية واسعة.
وتزداد هذه المسؤوليات، بحسب رؤيته، مع إدارة الجامعات الأهلية وما يرتبط بها من منظومة تعليمية ومالية مختلفة، خاصة في ظل الرسوم الدراسية المرتفعة والموارد الكبيرة التي تديرها تلك المؤسسات.
ويرى أن دخول الجامعات مجال التعليم الأهلي والاستثمار أوجد مسؤوليات إضافية، وبالتالي لا يمكن استنكار وجود مكافآت تقابل هذه المسؤوليات طالما جرى صرفها وفق القواعد المنظمة.
وفي الوقت نفسه، لا يعتبر عبد الهادي أن الحل هو الإبقاء على دخول باقي أعضاء هيئة التدريس عند مستوياتها الحالية، بل يطالب برفع مرتبات جميع منتسبي الجامعات، ويرى أن الأزمة الحقيقية في تراجع القيمة الفعلية للأجور مع ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.
عبد الهادي: حاسبوا المسؤول بالدليل ولا تحولوا النقد إلى تشهير
يمتد موقف عبد الهادي إلى ما يعتبره خطرًا أكبر من قضية المكافآت نفسها، وهو تحول الخلاف مع المسؤولين إلى اتهامات تمس الذمم والسمعة دون وجود دليل على مخالفة.
فهو لا يطالب بوضع رؤساء الجامعات فوق النقد أو المحاسبة، بل يؤكد ضرورة محاسبة أي مسؤول إذا خالف القانون وفتح الملفات إذا وجدت شبهة فساد ومراجعة أي أرقام تحيط بها علامات استفهام.
لكنه يفرق بين المحاسبة والتشهير؛ فالسؤال عن المال العام حق، لكن تحويل كل رقم كبير إلى اتهام بالفساد دون إثبات أمر مختلف.
ويحذر من أن الطعن المستمر في أساتذة الجامعات ورؤسائها عبر مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن ينعكس على ثقة الطلاب في المؤسسة الجامعية، معتبرًا أن حماية هيبة الجامعة لا تعني منع النقد، وإنما أن يكون النقد مستندًا إلى دليل وقانون.
محمود يوسف: «قانوني» لا تعني بالضرورة «عادل»
على الجانب الآخر، ينطلق الدكتور محمد يوسف، أستاذ الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة المصرية، من كلمة أصبحت في قلب الأزمة نفسها وهي: «قانوني».
فيوسف لا يوجه اتهامًا للقيادات بالحصول على الأموال بالمخالفة للقانون، ولا يعترض من حيث المبدأ على حصولها على مكافآت، لكنه يتساءل عن استخدام قانونية الصرف باعتبارها إجابة تنهي النقاش.
ويرى أن القانون يجب أن يعكس مصالح واحتياجات المجتمع الذي ينظمه، وبالتالي فإن وجود قواعد تسمح لفئة محدودة من القيادات بالحصول على مكافآت كبيرة، بينما تعاني الغالبية من أعضاء هيئة التدريس من ضعف دخولها، يستوجب مناقشة هذه القواعد ومدى عدالتها.
ومن هذا المنطلق، يطرح يوسف سؤالًا مختلفًا عن سؤال عبد الهادي: ليس فقط «هل حصل رئيس الجامعة على الأموال وفق القانون؟»، وإنما «هل القانون الذي سمح بطريقة توزيع هذه الأموال يحتاج إلى مراجعة؟».

يوسف: لماذا تصل الموارد إلى القيادات ولا يشعر بها باقي الأساتذة؟
يتوقف يوسف أمام ما يثار بشأن المكافآت التي تحصل عليها القيادات من حصيلة الوافدين والموارد الذاتية والصناديق، متسائلًا عن نصيب غالبية أعضاء هيئة التدريس من هذه الموارد.
ويؤكد أنه لا يعترض على حصول رئيس الجامعة أو نوابه أو العمداء والوكلاء على مكافآت مقابل المسؤوليات التي يتحملونها، لكن اعتراضه يتعلق بالفارق بين ما تحصل عليه هذه القيادات وبين دخول بقية أعضاء هيئة التدريس.
ويطرح القضية باعتبارها مسألة توزيع للموارد، وليس خصومة مع القيادات، متسائلًا عن كيفية مشاركة أعضاء هيئة التدريس في العمل وبذل الجهد ثم عدم انعكاس الموارد المتاحة على دخولهم بالصورة التي تحقق لهم حياة كريمة.
وبالنسبة إليه، فإن القانون ليس نصًا يتمتع بالقدسية أو قاعدة غير قابلة للتغيير؛ فإذا أفرز تطبيقه تفاوتًا واسعًا أو شعورًا بعدم العدالة داخل المؤسسة، فمن الطبيعي المطالبة بإعادة النظر فيه.
يوسف: الأزمة في قيمة دخل الأستاذ الجامعي
يربط محمود يوسف القضية أيضًا بالأوضاع الاقتصادية التي يعيشها أعضاء هيئة التدريس، معتبرًا أن التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه أدت إلى تراجع شديد في القيمة الحقيقية لأجور الأساتذة.
ومن ثم، فهو لا يطرح مطلبًا بأن يحصل جميع أعضاء هيئة التدريس على المكافآت نفسها التي تحصل عليها القيادات، وإنما يطالب بأن يكون هناك نصيب أكثر عدالة لباقي أعضاء المجتمع الجامعي من الموارد المتاحة.
وبذلك تصبح المشكلة بالنسبة إليه أوسع من رقم يحصل عليه رئيس جامعة؛ فهي تتعلق بمنظومة تسمح بمكافأة المسؤولية في القمة، بينما لا يشعر قطاع كبير ممن تقوم عليهم العملية التعليمية بتحسن مماثل في أوضاعهم.
أين يختلف الرجلان؟.. «مشروعية الصرف» في مواجهة «عدالة التوزيع»
عند وضع الرؤيتين جنبًا إلى جنب، يظهر أن الخلاف بين عبد الهادي ويوسف أدق من مجرد التأييد أو الاعتراض على مكافآت رؤساء الجامعات.
عبد الهادي يناقش مشروعية حصول المسؤول على المال؛ فإذا كانت المكافأة مقررة وفق اللوائح ولم تثبت مخالفة، فلا يجوز تحويل المسؤول إلى متهم بسبب قيمة ما حصل عليه.
أما يوسف فيناقش عدالة النظام الذي يوزع المال؛ فحتى إذا كان الصرف قانونيًا تمامًا، يظل من حق أعضاء هيئة التدريس السؤال عن القواعد التي أنتجت الفوارق، والمطالبة بتعديلها إذا رأوا أنها لا تحقق العدالة.
عبد الهادي يقول، في جوهر موقفه: لا تجعلوا المكافأة القانونية تهمة، وإذا كان القانون لا يعجبكم فطالبوا بتغييره.
بينما يأتي رد يوسف من النقطة نفسها تقريبًا: هذا تحديدًا ما يجب فعله؛ مناقشة القانون وتغييره إذا كان يسمح بتفاوت لا يحقق العدالة داخل المجتمع الجامعي.
«هيبة المنصب» أمام «عدالة الأجور»
يظهر فارق آخر بين الرؤيتين في تحديد الخطر الأكبر على المؤسسة الجامعية.
عبد الهادي يخشى أن تؤدي الاتهامات غير المستندة إلى أدلة والتشهير بالقيادات إلى إسقاط هيبة الجامعة أمام طلابها والمجتمع، وأن يصبح كل مسؤول متهمًا لمجرد الاختلاف معه أو الاعتراض على أحد قراراته.
أما يوسف فيرى أن الخطر يكمن أيضًا في شعور أعضاء هيئة التدريس بأن المؤسسة لا تحقق العدالة في توزيع مواردها، خاصة عندما تتسع الفجوة بين دخول القيادات والأساتذة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وبذلك، ينطلق الأول من حماية هيبة المسؤول والمؤسسة من الاتهام دون دليل، بينما ينطلق الثاني من حماية العدالة داخل المؤسسة من فجوات مالية يراها بحاجة إلى المراجعة.
نقطة اتفاق رغم الخلاف.. أجور الأساتذة تحتاج إلى مراجعة
ورغم المسافة الواضحة بين الرؤيتين، يلتقي الرجلان عند نقطة جوهرية: أوضاع أعضاء هيئة التدريس المادية تحتاج إلى تحسين.
عبد الهادي يرفض استكثار المكافأة على رئيس الجامعة، لكنه في الوقت نفسه يطالب برفع مرتبات جميع منتسبي الجامعات، ويرى أن تراجع قيمة المال جعل دخول الأساتذة لا تتناسب مع مكانتهم ومسؤولياتهم.
ويوسف لا يطالب بحرمان القيادات من المكافآت، بل يؤكد أنه لا يعترض عليها من حيث المبدأ، وإنما يريد أن تمتد الاستفادة من موارد الجامعات إلى بقية أعضاء هيئة التدريس بصورة أكثر عدالة.
ومن هنا لا يصبح الحل بالضرورة في الاختيار بين «مكافأة رئيس الجامعة» و«زيادة دخل الأستاذ»، وإنما في البحث عن معادلة تحقق الأمرين معًا: مكافأة المسؤولية الإضافية، وضمان دخل مناسب لمن يقومون بالعملية التعليمية.
«قانونية» و«عادلة».. سؤالان يحتاجان إلى إجابتين
تكشف المقارنة في النهاية أن الحديث عن مكافآت القيادات الجامعية يتضمن سؤالين مختلفين لا ينبغي الخلط بينهما.
الأول: هل حصل المسؤول على المكافأة وفق القواعد المنظمة؟ وهذا سؤال قانوني يمكن حسمه بالمستندات واللوائح والجهات المختصة.
والثاني: هل القواعد التي تنظم هذه المكافآت وتوزيع الموارد تحقق العدالة داخل المجتمع الجامعي؟ وهذا سؤال اقتصادي واجتماعي وتشريعي يظل مفتوحًا للنقاش حتى لو كان الصرف قانونيًا.
وبين دفاع الدكتور محمد صلاح الدين عبد الهادي عن هيبة المنصب ورفض تحويل المكافأة القانونية إلى اتهام، ومطالبة الدكتور محمود يوسف بمناقشة عدالة الأجور والقواعد التي تحكم توزيع موارد الجامعات، تظل الأزمة أكبر من شخص رئيس جامعة أو رقم مكافأة.
فالقانونية لا تمنع السؤال عن العدالة، كما أن المطالبة بالعدالة لا تمنح الحق في اتهام أحد بالفساد دون دليل. وبين الاثنين تبقى القضية الأساسية: كيف تكافئ الدولة المسؤولية دون أن يتحول الفارق في الدخول إلى فجوة يشعر معها الأستاذ الجامعي بأن موارد المؤسسة التي يشارك في بنائها لا تنعكس على حياته؟








