العالم

من المدن الذكية إلى المدن المرنة.. لماذا تتغير طريقة تخطيط العواصم حول العالم؟

✍️ كتب: نهى علي

لم تعد المدن الحديثة تُقاس فقط بعدد الأبراج والمشروعات العملاقة، ولا بمدى انتشار شبكات الإنترنت وأجهزة الاستشعار والأنظمة الرقمية. فخلال السنوات الأخيرة، بدأ مفهوم جديد يفرض نفسه على طريقة التفكير في مستقبل العواصم: المدينة المرنة.

الفكرة لا تعني التخلي عن التكنولوجيا أو المدن الذكية، وإنما تجاوز فكرة أن التكنولوجيا وحدها قادرة على حل مشكلات المدن.

فالمدينة قد تكون شديدة التطور من الناحية الرقمية، لكنها تظل معرضة للشلل أمام فيضان مفاجئ، أو موجة حرارة قاسية، أو انقطاع واسع للطاقة، أو أزمة في سلاسل الإمداد.

ومن هنا بدأ التخطيط الحضري ينتقل تدريجيًا من سؤال: كيف نجعل المدينة أكثر ذكاءً؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف نجعل المدينة قادرة على الاستمرار عندما تتعرض للضغط؟

المدينة الذكية.. البداية وليست النهاية

ارتبط مفهوم المدن الذكية خلال السنوات الماضية باستخدام التكنولوجيا لتحسين الخدمات وإدارة حركة المرور والطاقة والمياه والأمن والنقل.

وأصبحت الكاميرات وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات جزءًا من البنية الأساسية للعديد من المدن الكبرى.

لكن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية كشف في الوقت نفسه عن نقطة ضعف مهمة: التكنولوجيا تحتاج إلى بنية تحتية مستقرة، وإلى طاقة واتصالات ومؤسسات قادرة على تشغيلها.

وهنا ظهر مفهوم المرونة الحضرية.

ماذا تعني المدينة المرنة؟

المدينة المرنة هي المدينة التي تستطيع الاستعداد للصدمات، والاستجابة لها، ثم استعادة قدرتها على العمل والتكيف مع الظروف الجديدة.

وقد تكون الصدمة طبيعية، مثل الفيضانات والزلازل وارتفاع درجات الحرارة، أو اقتصادية، مثل الأزمات المالية وتعطل سلاسل التوريد، أو صحية، أو حتى مرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والنقل.

والفارق الأساسي أن التخطيط لم يعد يركز فقط على منع الأزمة، بل على القدرة على التعامل معها عندما تحدث.

المناخ يغير شكل العواصم

تغير المناخ أصبح أحد أهم الأسباب التي تدفع المدن إلى إعادة التفكير في تخطيطها.

ارتفاع درجات الحرارة يفرض على المدن زيادة المساحات الخضراء، وتحسين التهوية الطبيعية، وتطوير المباني، وإعادة النظر في تصميم الشوارع والأرصفة.

وفي المدن التي تواجه خطر الأمطار الغزيرة والسيول، لم تعد شبكات الصرف وحدها كافية، بل ظهرت حلول تعتمد على المساحات القادرة على امتصاص المياه، وتوسيع المناطق الخضراء، وتصميم الشوارع بطريقة تسمح بإدارة مياه الأمطار بدلًا من مقاومتها فقط.

وهكذا أصبحت الطبيعة نفسها جزءًا من البنية التحتية للمدينة.

من السيارة إلى الإنسان

التخطيط التقليدي لكثير من المدن أعطى السيارة مساحة كبيرة في تصميم الشوارع.

لكن المدن المرنة تعيد التفكير في هذه المعادلة.

المواصلات العامة، ومسارات المشاة، والدراجات، وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، كلها أصبحت عناصر مرتبطة بقدرة المدينة على مواجهة الأزمات.

فكلما امتلكت المدينة وسائل نقل متعددة، أصبحت أقل اعتمادًا على نظام واحد يمكن أن يتعطل بالكامل.

البنية التحتية تحتاج إلى بدائل

من أهم دروس الأزمات أن الاعتماد على نقطة واحدة يمثل مخاطرة.

إذا كان مصدر الطاقة واحدًا، أو طريقًا رئيسيًا واحدًا، أو شبكة مياه تعتمد على مسار واحد، فإن تعطل هذا العنصر قد يؤثر في المدينة بأكملها.

لذلك تتجه فلسفة المرونة إلى بناء شبكات متعددة وبدائل احتياطية.

الأمر ينطبق على الطاقة والمياه والاتصالات والنقل وحتى توزيع الخدمات الأساسية.

فالمرونة لا تعني أن البنية التحتية لن تتعطل، وإنما تعني أن تعطل جزء منها لا يؤدي إلى انهيار النظام بالكامل.

التكنولوجيا ما زالت موجودة.. لكن دورها تغير

التحول من المدن الذكية إلى المدن المرنة لا يعني أن التكنولوجيا أصبحت أقل أهمية.

على العكس، البيانات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار يمكن أن تساعد المدن على توقع المخاطر، واكتشاف الأعطال مبكرًا، وإدارة الموارد بكفاءة أكبر.

لكن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من منظومة أوسع.

فالمدينة لا تحتاج فقط إلى معرفة ما يحدث، وإنما تحتاج أيضًا إلى امتلاك القدرة المؤسسية والبنية التحتية والمجتمعية للتعامل مع ما يحدث.

المواطن جزء من البنية التحتية

المدينة المرنة لا تُبنى بالخرسانة والطرق فقط.

المجتمع نفسه عنصر أساسي في قدرتها على مواجهة الأزمات.

كلما كان المواطن أكثر وعيًا بكيفية التعامل مع الطوارئ، وكانت المؤسسات أكثر قدرة على التواصل معه، وأصبح الوصول إلى المعلومات أسرع وأكثر وضوحًا، زادت قدرة المدينة على تجاوز الأزمات.

ولهذا بدأت بعض التجارب الحضرية تنظر إلى المشاركة المجتمعية باعتبارها جزءًا من التخطيط، وليس مجرد عنصر إضافي.

لماذا يهم هذا التحول العواصم العربية؟

العواصم العربية تواجه تحديات متزايدة، من النمو السكاني والتوسع العمراني إلى الضغط على المياه والطاقة والنقل، إضافة إلى التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي.

وهذا يجعل مفهوم المرونة مهمًا في التخطيط للمستقبل.

فالعاصمة الناجحة لن تكون فقط تلك التي تمتلك أبراجًا حديثة وشبكات رقمية متطورة، وإنما تلك التي تستطيع الحفاظ على الخدمات الأساسية عندما تتعرض لضغط مفاجئ.

المدينة الناجحة ليست التي لا تتعرض للأزمات

ربما يكون هذا هو التغيير الأكبر في فلسفة التخطيط الحضري.

لم يعد السؤال الواقعي هو: كيف نمنع كل الأزمات؟

لأن ذلك مستحيل.

السؤال أصبح: كيف نصمم مدينة تستطيع أن تتعطل جزئيًا دون أن تنهار بالكامل؟

وهنا يظهر الفرق بين المدينة الذكية والمدينة المرنة.

الأولى تستخدم التكنولوجيا لتعمل بكفاءة أكبر، أما الثانية فتسعى إلى أن تظل قادرة على العمل حتى عندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها.

وفي المستقبل، قد لا تكون المنافسة بين العواصم حول من يمتلك أطول برج أو أكثر شبكة رقمية تطورًا، وإنما حول من يستطيع بناء مدينة أكثر قدرة على التكيف مع عالم سريع التغير.

فالعاصمة التي تستعد لما هو غير متوقع، قد تكون أكثر نجاحًا من العاصمة التي صممت نفسها فقط وفقًا لما هو متوقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى