الدكتور محمد عبد المعطي.. «من الطب إلى القيادة» مسيرة في مواجهة الأورام وصناعة الأمل

حين يتعلق الأمر بالسرطان، لا تُقاس المسؤولية بعدد الأسرّة أو غرف العلاج فقط، بل بعدد المرضى الذين يدخلون يوميًا وهم يحملون أملًا في فرصة جديدة للعلاج. وفي مؤسسة تستقبل مئات الآلاف من المرضى سنويًا، تصبح القيادة جزءًا من المعركة نفسها؛ معركة تجمع بين الطب والبحث العلمي وتطوير الخدمات، وبين ضغط الأعداد المتزايدة والسعي إلى إتاحة العلاج لأكبر عدد ممكن من المرضى.
في قلب هذه المنظومة يقف الأستاذ الدكتور محمد عبد المعطي سمرة، عميد المعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة، وأحد المتخصصين في طب الأورام وأمراض الدم وزراعة النخاع، حاملًا وراء موقعه الإداري سنوات من العمل الأكاديمي والطبي في واحد من أكثر التخصصات حساسية وتعقيدًا.
لم تعد مهمة سمرة اليوم مرتبطة بعلاج مريض داخل غرفة الكشف فقط، بل بإدارة مؤسسة تمثل وجهة رئيسية لمرضى السرطان من مختلف محافظات الجمهورية؛ مؤسسة استقبلت خلال عام واحد نحو نصف مليون مريض، وتقدم الغالبية العظمى من خدماتها العلاجية مجانًا، بالتوازي مع إجراء آلاف العمليات ومئات الآلاف من جلسات العلاج والفحوص.
وبين تطوير وحدات زراعة النخاع والعلاج الإشعاعي، وتحديث مستشفيات المعهد، وتوسيع قدرته الاستيعابية، وصولًا إلى المشروع الضخم للمعهد القومي للأورام الجديد «500500»، يقود محمد عبد المعطي سمرة مرحلة تتجاوز إدارة الحاضر إلى الاستعداد لمستقبل علاج الأورام في مصر.
فمن الطبيب المتخصص في الأورام وأمراض الدم إلى عمادة المعهد القومي للأورام.. كيف تشكلت رحلة محمد عبد المعطي سمرة؟ وما الذي تشهده المؤسسة في عهده من توسع وتطوير؟
من الطب إلى قيادة معهد الأورام
ينتمي محمد عبد المعطي سمرة إلى المدرسة الأكاديمية المتخصصة في علاج الأورام، ويعمل أستاذًا لطب الأورام وأمراض الدم السرطانية بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة، مع تخصص في أمراض الدم وزراعة النخاع والخلايا الجذعية.
ومع تراكم خبراته الطبية والأكاديمية والإدارية، تولى سمرة عمادة المعهد القومي للأورام، لينتقل من مسؤولية الطبيب والأستاذ الجامعي إلى مسؤولية إدارة مؤسسة لا يقتصر دورها على علاج المرضى، بل تجمع تحت مظلتها العلاج والتشخيص والبحث العلمي والتعليم والتدريب وإعداد أجيال جديدة من المتخصصين في مجال الأورام.
نصف مليون مريض.. أرقام تكشف حجم المسؤولية
لفهم حجم المهمة التي يتولاها عميد المعهد القومي للأورام، تكفي نظرة إلى أرقام المرضى والخدمات الطبية.
فخلال عام 2025، استقبلت مستشفيات المعهد نحو نصف مليون مريض، بمعدل بلغ نحو 1522 حالة يوميًا، فيما حصل نحو 96% من المرضى على العلاج مجانًا.
وخلال العام نفسه، أجرى المعهد نحو 7680 جراحة كبرى وصغرى، وقدم نحو 162 ألف جلسة علاج كيميائي وإشعاعي، إلى جانب إجراء نحو 1.7 مليون تحليل معملي.
كما استقبلت عيادة علاج الألم أكثر من 34 ألف مريض، بينما بلغ عدد المرضى الذين يعالجهم المعهد ضمن المبادرات الرئاسية نحو 13.6 ألف مريض، من بينهم أكثر من 5500 حالة ضمن مبادرة سرطان الثدي، وأكثر من 7300 حالة ضمن جهود القضاء على قوائم الانتظار الجراحية.
ووراء هذه الأرقام تحدٍ إداري وطبي كبير: كيف يستمر المعهد في استقبال هذه الأعداد، وفي الوقت نفسه يطور منشآته ويضيف تقنيات جديدة ويوسع قدرته الاستيعابية؟
تطوير لا يتوقف عند المباني
أصبح تطوير البنية الطبية للمعهد أحد الملفات الرئيسية خلال المرحلة الحالية.
وتضم مستشفيات المعهد القومي للأورام المستشفى الشمالي والجنوبي ومستشفى الثدي بالتجمع الأول، بإجمالي 496 سريرًا، إلى جانب 49 سرير رعاية مركزة، و18 سرير طوارئ، و160 سريرًا للعلاج الكيميائي، و16 غرفة عمليات، و56 عيادة خارجية.
كما تمتلك المنظومة مجموعة من أجهزة التشخيص والعلاج المتخصص، تشمل الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والمسح الذري والعلاج الإشعاعي.
وشهد المعهد استحداث جناح جديد للعلاج الإشعاعي مزود بتكنولوجيا تساعد على تتبع الأورام وتوجيه الجرعات العلاجية بصورة أكثر دقة، مع العمل على الحد من تعرض الأنسجة السليمة المحيطة للإشعاع.
وبالتوازي مع ذلك، يجري تطوير المستشفى الشمالي، بما يشمل الأقسام الداخلية والرعاية المركزة وغرف العمليات، مع تنفيذ الأعمال على مراحل تسمح باستمرار استقبال المرضى وعدم توقف الخدمات العلاجية.
زراعة النخاع.. تخصص الطبيب يتحول إلى ملف تطوير
يحتل ملف زراعة النخاع مساحة خاصة في المسيرة المهنية والعلمية لمحمد عبد المعطي سمرة، بحكم تخصصه في طب الأورام وأمراض الدم وزراعة النخاع.
ويملك المعهد القومي للأورام تاريخًا مبكرًا في هذا المجال، إذ بدأت به أول وحدة لزراعة النخاع في مصر عام 1989، لتصبح من الوحدات الرائدة في المنطقة.
وفي عام 2026، شهد المعهد تطوير وإعادة تجهيز وحدة زرع النخاع «حسام كامل» ووحدة أمراض الدم بالمبنى الجنوبي، بما يرفع القدرة الاستيعابية للخدمة إلى نحو 400 مريض سنويًا، ويسهم في تقليل قوائم انتظار المرضى المحتاجين إلى زراعة النخاع.
ولا يتوقف حضور سمرة في هذا الملف عند الإدارة والعلاج، إذ شارك كذلك في التوعية العلمية المتعلقة بزراعة النخاع والتبرع بالخلايا الجذعية، وتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة حول عملية التبرع وأهميتها في علاج عدد من الأورام وأمراض الدم الخطيرة.
قبل أن يكون عميدًا.. الطبيب أقرب إلى المريض
وراء كل هذه الأرقام تظل هناك حقيقة لا تظهر في الإحصاءات؛ فكل حالة تدخل المعهد هي إنسان، وخلف كل مريض أسرة تعيش معه رحلة قد تكون من أصعب الرحلات في حياتها.
وهنا يظهر البعد الإنساني في طبيعة عمل محمد عبد المعطي سمرة. فسنوات عمله في طب الأورام وأمراض الدم وزراعة النخاع وضعته بالقرب من مرضى لا يحتاجون إلى الدواء وحده، وإنما إلى الطمأنة والدعم، وإلى منظومة قادرة على تخفيف مشقة رحلة علاج قد تمتد لشهور أو سنوات.
ويتجسد الاهتمام بالمريض عمليًا في العمل على توسيع القدرة الاستيعابية للخدمات وتقليل قوائم الانتظار، خاصة في زراعة النخاع، وإتاحة العلاج لأكبر عدد ممكن داخل مؤسسة يحصل فيها نحو 96% من المرضى على العلاج مجانًا.
كما امتد دوره إلى التوعية خارج غرف العلاج، من خلال تصحيح المخاوف والمعلومات المغلوطة المرتبطة بزراعة النخاع والتبرع بالخلايا الجذعية، وشرح أهمية التبرع ودوره في منح بعض مرضى الأورام وأمراض الدم الخطيرة فرصة جديدة للعلاج.
فالطبيب في تخصص الأورام لا يتعامل مع تحليل أو أشعة أو بروتوكول علاجي فقط، وإنما مع إنسان يواجه الخوف والقلق وعدم اليقين، وأسرة تبحث عن كل فرصة ممكنة للشفاء.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال مسيرة محمد عبد المعطي سمرة في منصب العميد أو المشروعات التي يشرف عليها؛ لأن القيمة الحقيقية لكل سرير جديد أو جهاز حديث أو وحدة يجري تطويرها لا تظهر في يوم افتتاحها، وإنما عندما تتحول إلى موعد علاج أقرب، وقائمة انتظار أقصر، وفرصة جديدة لمريض كان ينتظرها.
«500500».. الرهان على المستقبل
إذا كان تطوير المستشفيات الحالية يستهدف تحسين الخدمة المقدمة اليوم، فإن أحد أكبر الملفات التي ينشغل بها المعهد ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك: المعهد القومي للأورام الجديد «500500» بمدينة الشيخ زايد.
يمثل المشروع توسعًا استراتيجيًا كبيرًا لمنظومة علاج الأورام التابعة لجامعة القاهرة، ومن المخطط أن تصل سعته إلى 360 سريرًا، من بينها 100 سرير للرعاية المركزة.
وفي يونيو 2026، شارك محمد عبد المعطي سمرة في اجتماع برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لمتابعة الموقف التنفيذي للمشروع واستكمال التجهيزات اللازمة لتشغيله.
ويمثل تشغيل «500500» خطوة تتجاوز إضافة مبنى جديد؛ فزيادة الطاقة الاستيعابية تعني قدرة أكبر على استقبال المرضى، وتخفيف الضغط عن المنشآت الحالية، وتوسيع نطاق الخدمات المتخصصة التي تقدمها منظومة المعهد.
البحث العلمي.. الوجه الآخر لمواجهة السرطان
لكن المعركة ضد السرطان لا تُحسم داخل غرف العمليات والعلاج فقط.
فالمعهد القومي للأورام مؤسسة جامعية وبحثية في الأساس، ولذلك يظل البحث العلمي وإعداد الكوادر الطبية جزءًا أساسيًا من دوره، بالتوازي مع استقبال المرضى وعلاجهم.
ويواصل المعهد تنظيم الفعاليات والمؤتمرات العلمية بمشاركة متخصصين من مصر والخارج، لمناقشة التطورات في جراحات الأورام والعلاج الكيميائي والإشعاعي والمناعي والموجه، وأورام الأطفال، وزراعة النخاع، والتشخيص الجزيئي والرعاية الداعمة.
وفي إحدى دورات المؤتمر السنوي للمعهد، شارك نحو 2350 متخصصًا و290 محاضرًا، وشهد المؤتمر 66 جلسة علمية و305 محاضرات و11 ورشة عمل وندوة، بما يعكس حجم الدور العلمي والأكاديمي للمؤسسة إلى جانب دورها العلاجي.
من علاج مريض إلى مسؤولية آلاف المرضى
ربما يلخص هذا التحول جانبًا كبيرًا من رحلة محمد عبد المعطي سمرة.
فالطبيب الذي بدأ عمله متخصصًا في الأورام وأمراض الدم وزراعة النخاع، أصبحت مسؤوليته اليوم تتجاوز حالة داخل غرفة الكشف إلى منظومة تستقبل مئات الآلاف من المرضى، وتضم مستشفيات ووحدات علاجية وبحثية، وتخوض في الوقت نفسه عملية توسع وتحديث واسعة.
وبين نحو نصف مليون مريض سنويًا، ومئات الآلاف من جلسات العلاج والفحوص، وتطوير زراعة النخاع والعلاج الإشعاعي، وتجديد مستشفيات المعهد، واستكمال مشروع «500500»، يقود سمرة مرحلة مهمة في مسيرة المعهد القومي للأورام.
لكن خلف كل هذه المشروعات والأرقام يبقى المريض هو الاختبار الحقيقي لأي نجاح.
فالمعركة ليست في امتلاك جهاز أحدث أو إضافة مبنى جديد فقط، وإنما في أن يصل أثر ذلك إلى شخص ينتظر دوره في العلاج، وأسرة تبحث عن أمل، ومريض قد يعني اختصار أيام من قائمة الانتظار بالنسبة إليه الكثير.
ومن هنا تصبح قصة محمد عبد المعطي سمرة أكبر من سيرة طبيب وصل إلى منصب العميد؛ إنها رحلة انتقل فيها من مواجهة السرطان مع مرضاه داخل غرف العلاج إلى المشاركة في قيادة مؤسسة تخوض هذه المواجهة يوميًا على نطاق أوسع، واضعًا أمامه تحديًا مستمرًا: أن تتحول كل خطوة تطوير إلى فرصة علاج، وكل توسع إلى باب يُفتح أمام مريض جديد، وأن يظل الإنسان في النهاية هو الغاية الأولى من كل ما يُبنى ويتطور داخل المعهد القومي للأورام.








