«الطروحات الحكومية».. من تعظيم الأصول إلى إعادة تشكيل خريطة الاستثمار المصري

لم يعد برنامج الطروحات الحكومية مجرد بند في أجندة الإصلاح الاقتصادي، بل أصبح أحد أكثر الملفات تأثيرًا في مستقبل الاستثمار المصري. فمع كل إعلان عن طرح شركة جديدة، تتجدد حالة من الجدل بين من يراه خطوة ضرورية لإنعاش الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال، وبين من يخشى أن يؤدي إلى تراجع دور الدولة في القطاعات الإنتاجية.
في الواقع، لا يمكن تقييم البرنامج من زاوية «البيع أو عدم البيع»، لأن جوهره يرتبط بكيفية إدارة الأصول العامة وتعظيم العائد منها. فالدولة تمتلك عشرات الشركات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة حتى تواكب التطور التكنولوجي والمنافسة الإقليمية والدولية، وهو ما يصعب تحقيقه بالاعتماد على الموازنة العامة وحدها، خاصة في ظل الضغوط المالية وارتفاع تكلفة التمويل.
ومن هذا المنطلق، تسعى الحكومة إلى تحويل جزء من هذه الأصول إلى أدوات لجذب رؤوس الأموال، بحيث تدخل استثمارات جديدة تسهم في تحديث خطوط الإنتاج، ورفع الكفاءة التشغيلية، وزيادة القدرة التنافسية للشركات. والهدف لا يقتصر على توفير سيولة مالية، بل يمتد إلى خلق قيمة اقتصادية مضافة تعزز معدلات النمو وتدعم الإنتاج والصادرات.
لكن نجاح هذه الرؤية لا يعتمد على طرح الشركات فقط، وإنما على جودة الشركات المطروحة وطريقة إدارتها بعد الطرح. فالمستثمر لا يبحث عن شركة مملوكة للدولة بقدر ما يبحث عن شركة تتمتع بإدارة كفؤة، وشفافية في الإفصاح، وقدرة على تحقيق الأرباح والنمو. لذلك، فإن الحوكمة أصبحت عنصرًا حاسمًا في نجاح أي برنامج للطروحات.
وعلى مستوى سوق المال، يمثل البرنامج فرصة لإعادة الحيوية إلى البورصة المصرية، عبر زيادة عدد الشركات الكبرى المقيدة، ورفع مستويات التداول، وجذب مستثمرين جدد. فكلما اتسعت قاعدة الشركات المدرجة، أصبحت البورصة أكثر عمقًا وقدرة على تمويل الاقتصاد، بدلًا من أن تظل سوقًا محدودة الخيارات.
غير أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في توقيت الطروحات. فالأسواق المالية تتأثر بعوامل داخلية وخارجية، من أسعار الفائدة والتضخم إلى التوترات الجيوسياسية وحركة رؤوس الأموال العالمية. ومن ثم، فإن طرح شركات قوية في توقيت غير مناسب قد يؤدي إلى تقييمات أقل من قيمتها الحقيقية، وهو ما ينعكس سلبًا على عائد الدولة.
كما أن نجاح البرنامج يتطلب بناء ثقة مجتمعية، إذ لا يزال قطاع من المواطنين ينظر إلى الطروحات باعتبارها مرادفًا لبيع الأصول العامة، بينما ترى الحكومة أنها وسيلة لتعظيم الاستفادة من تلك الأصول دون التخلي عن ملكيتها بالكامل في كثير من الحالات. ومن هنا، تصبح الشفافية والإفصاح عن أهداف كل طرح ونسب الملكية وآليات الإدارة عوامل أساسية لتقليل حالة الجدل.
اقتصاديًا، يمكن أن يحقق البرنامج عدة مكاسب متزامنة، منها زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتوفير مصادر تمويل للشركات، وتنشيط البورصة، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد، وهو ما قد ينعكس على معدلات التشغيل والإنتاج إذا أُديرت العملية بكفاءة.
وفي المقابل، فإن أي إخفاق في اختيار الشركات أو توقيت الطرح أو تسعير الأصول قد يحول البرنامج من فرصة اقتصادية إلى مصدر لانتقادات واسعة، وهو ما يجعل التقييم الحقيقي للبرنامج مرتبطًا بنتائجه على المدى الطويل، وليس بحجم الأموال التي يتم جمعها فقط.
في النهاية، يبدو أن برنامج الطروحات الحكومية يقف عند نقطة فاصلة؛ فإما أن يصبح أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد وزيادة قدرته على جذب الاستثمارات، وإما أن يبقى ملفًا يثير الجدل مع كل إعلان جديد. والفيصل في ذلك لن يكون قرار الطرح ذاته، وإنما كفاءة التنفيذ، ووضوح الرؤية، وقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين تعظيم قيمة الأصول والحفاظ على المصالح الاستراتيجية للاقتصاد الوطني.
المؤشر الرئيسي يستعيد حافة الـ 55 ألف نقطة.. البورصة المصرية تنهي تعاملات الأربعاء على مكاسب محدودة