«جهات رقابية تدخل على خط العقارات.. حصر للمشروعات المتعثرة بعد استرداد أراضٍ بمليارات الجنيهات»

دخل ملف تعثر المشروعات العقارية في مصر مرحلة جديدة، بعدما كشفت وزارة الإسكان أن جهات رقابية طلبت إعداد حصر بالمشروعات المتعثرة في السوق، بالتزامن مع تكليفات رئاسية بضبط وتنظيم القطاع وحماية حقوق المتعاملين.
وقالت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في 2 سبتمبر 2026، إن الجهات الرقابية طلبت حصرًا بالمشروعات المتعثرة، وإن العمل جارٍ على الانتهاء من إعداد هذا الحصر إلى جانب تحديد آليات التعامل مع المشكلات التي تواجه تلك المشروعات.
لكن أهمية الخطوة لا تتوقف عند مجرد إعداد قائمة بالمشروعات؛ إذ تأتي بعد عام شهد بالفعل إجراءات واسعة لإعادة تقييم الأراضي الاستثمارية، وسحب بعضها من مستثمرين ومطورين غير ملتزمين، وفي المقابل منح تيسيرات وتسويات لمشروعات وأراضٍ رأت الدولة إمكانية استكمالها.
350 فدانًا عادت للدولة خلال عام واحد
خلال العام المالي 2025-2026، استردت الحكومة أكثر من 350 فدانًا من الأراضي الاستثمارية، بقيمة تجاوزت 21 مليار جنيه، بعد مخالفات شملت عدم سداد الأقساط أو عدم الالتزام بالجداول الزمنية لتنفيذ المشروعات، بحسب مسؤول حكومي تحدث إلى «الشرق بلومبرج».
وبحسب المعلومات المنشورة، كان الجزء الأكبر من تلك الأراضي مخصصًا لمطورين عقاريين، وهو ما يكشف أن ملف الالتزام بتنفيذ المشروعات لم يعد مجرد مسألة تعاقدية بين المطور وهيئة المجتمعات العمرانية، بل أصبح أحد الملفات التي تتحرك الدولة بشأنها بصورة أكثر تشددًا.
60 فدانًا سُحبت في حدائق أكتوبر
وفي يونيو الماضي، نفذ جهاز مدينة حدائق أكتوبر قرارًا بسحب واسترداد قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 60 فدانًا في المنطقة 35 جنوب طريق الواحات، بسبب عدم سداد المستحقات المالية للدولة.
ونفذت عملية الاسترداد بالتنسيق بين جهاز المدينة وشرطة التعمير وإدارات الأمن والتنمية، في إشارة إلى أن بعض حالات التعثر انتهت بالفعل إلى استرداد الأرض وليس مجرد منح المطور مهلة جديدة.
وفي القاهرة الجديدة.. 162 قطعة سلكت طريقًا مختلفًا
في المقابل، لم تتعامل الدولة مع كل الملفات بالطريقة نفسها.
ففي يوليو 2026، توصلت جمعية المطورين العقاريين مع هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مدينة القاهرة الجديدة إلى تسوية بشأن أزمة إعادة تسعير 162 قطعة أرض.
وشملت التيسيرات خفض مقدم السداد إلى 30% بدلًا من 50%، وتقسيط المستحقات لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، إلى جانب منح مهلة إضافية للبناء مدتها 18 شهرًا.
وتكشف المقارنة بين الحالتين أن السياسة الحكومية لا تتحرك في اتجاه واحد قائم على «السحب»، وإنما تميز عمليًا بين ملفات يمكن تسويتها ومشروعات أو أراضٍ انتهت إلى الاسترداد.
قواعد جديدة تربط الأرض بما تم تنفيذه بالفعل
هذا الاتجاه أصبح أكثر وضوحًا مع القواعد الجديدة لتخصيص أراضي هيئة المجتمعات العمرانية.
فالهيئة تشترط في بعض الحالات عدم السماح للشركات بالحصول على مساحات أو قطع إضافية قبل إثبات الجدية والوصول إلى نسب تنفيذ محددة، كما تفرض متطلبات تتعلق بالملاءة المالية وسابقة الخبرة.
وتحدد القواعد مددًا زمنية لتنفيذ المشروعات العمرانية تختلف بحسب المساحة، تبدأ من ثلاث سنوات للمشروعات حتى 20 فدانًا، وترتفع تدريجيًا حتى ثماني سنوات للمشروعات الأكبر من 450 فدانًا.
وفي عدد من المدن الأقل جذبًا للاستثمار، من بينها الفيوم الجديدة وغرب قنا والفشن وملوي وتوشكى وأخميم ورشيد والمنصورة وأسوان وبرج العرب وأكتوبر الجديدة، منحت الهيئة المشروعات العمرانية المتكاملة التي تزيد على 20 فدانًا عامًا إضافيًا فوق المدة الأصلية للتنفيذ.
وهذا يعني أن الدولة تملك بالفعل أدوات متعددة للتعامل مع التعثر، تبدأ بالمهل والتيسيرات وإعادة الجدولة، وقد تنتهي بسحب الأرض عند استمرار عدم الالتزام.
لماذا طلبت الجهات الرقابية الحصر الآن؟
الإعلان عن طلب الجهات الرقابية إعداد حصر للمشروعات المتعثرة يطرح سؤالًا حول المرحلة التالية من التعامل مع السوق.
فالمعلن رسميًا حتى الآن هو أن وزارة الإسكان تعد الحصر وتضع آليات للتعامل مع المشكلات، ولم تعلن الحكومة قائمة بأسماء الشركات أو المشروعات التي ستدخل ضمنه، كما لم تعلن أن كل مشروع مدرج بالحصر سيخضع للسحب أو العقوبات.
لكن توقيت الحصر يصبح مهمًا عند وضعه إلى جوار ثلاثة تطورات متزامنة: استرداد أراضٍ بمليارات الجنيهات خلال العام الماضي، تطبيق قواعد أكثر صرامة على الأراضي الجديدة، وتكليف حكومي مباشر بتنظيم السوق العقارية وحماية حقوق المتعاملين.
معضلة الحاجزين
ويبقى ملف العملاء هو الجزء الأكثر حساسية.
فسحب أرض من مطور لم يبدأ البيع يختلف تمامًا عن التعامل مع مشروع تعاقد فيه مئات أو آلاف المواطنين وسددوا مقدمات وأقساطًا لسنوات.
ولهذا ظهر خلال الأشهر الماضية نقاش داخل السوق العقارية حول تأثير قرارات سحب الأراضي على المشترين، خصوصًا عندما تكون الوحدات المباعة مرتبطة قانونيًا وتنفيذيًا بأرض قد تستردها الهيئة من المطور بسبب مخالفات مالية أو تأخر في التنفيذ.
ومن هنا، فإن الحصر الجديد لن يكون مهمًا فقط لمعرفة عدد المطورين المتعثرين، وإنما لمعرفة عدد العملاء المرتبطين بهذه المشروعات، وقيمة الأموال التي تم تحصيلها منهم، ونسب التنفيذ الفعلية في كل مشروع.
هل نحن أمام «قائمة حمراء» للمشروعات؟
لا توجد حتى الآن قائمة رسمية منشورة يمكن وصفها بـ«القائمة السوداء» أو «القائمة الحمراء» للمطورين، وأي تداول لأسماء شركات باعتبارها مستهدفة بإجراءات سيكون سابقًا لأوانه من دون مستند رسمي.
لكن ما أصبح مؤكدًا هو أن الدولة تعد حاليًا حصرًا للمشروعات المتعثرة بطلب من جهات رقابية، بالتزامن مع مراجعة أوسع لقواعد السوق العقارية.
والسؤال الذي قد يحسم شكل السوق خلال الفترة المقبلة هو: ماذا سيحدث بعد انتهاء الحصر؟
هل ستُقسم الحالات إلى مشروعات تحصل على مهل وتسويات، وأخرى يعاد هيكلتها لحماية المشترين، وثالثة تسترد الدولة أراضيها؟
الإجابة لم تعلن بعد.
لكن السوابق التي شهدها السوق خلال 2026 تشير إلى أن أمام الدولة بالفعل أكثر من سيناريو للتعامل مع كل حالة، وأن المرحلة المقبلة قد لا تتعلق فقط بتحديد «من تعثر»، وإنما بتحديد من يستطيع استكمال مشروعه.. ومن لن يحصل على فرصة جديدة.








