السياسة

التنين الصيني في القاهرة.. لماذا أصبحت مصر قطعة رئيسية في حسابات بكين؟

✒️ كتب: محمود أبو السعود

مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، لا تبدو أهمية الزيارة مرتبطة فقط بحجم العلاقات السياسية بين مصر والصين، وإنما بما تمثله مصر نفسها داخل الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية لبكين.

فالصين، صاحبة واحدة من أكبر شبكات التجارة والاستثمار في العالم، تحتاج إلى نقاط ارتكاز تربط خطوط إنتاجها وأسواقها بمناطق الاستهلاك والتجارة الرئيسية، وهنا تمتلك مصر مجموعة نادرة من المزايا في مكان واحد: قناة السويس، وموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وقاعدة صناعية قابلة للتوسع، إلى جانب القرب من الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

قناة السويس.. لماذا الموقع المصري مهم للصين؟

القيمة التي تمثلها مصر للصين لا تتوقف عند مرور السفن والبضائع عبر قناة السويس.

فحول الممر الملاحي توجد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بما تضمه من مناطق صناعية وموانئ ومراكز لوجستية، وهو ما يفتح أمام الشركات الصينية إمكانية مختلفة تمامًا: إنتاج السلع بالقرب من أحد أهم طرق التجارة العالمية بدلًا من تصنيع كل شيء على بعد آلاف الكيلومترات ثم شحنه إلى الأسواق المستهدفة.

ويظهر الحضور الصيني بصورة واضحة في منطقة «تيدا – مصر» بالعين السخنة، التي تحولت إلى واحدة من أبرز نقاط التعاون الصناعي بين البلدين، مع وجود شركات واستثمارات صينية تعمل في قطاعات متنوعة.

بالنسبة لبكين، تصبح المعادلة هنا بسيطة: مصنع قريب من قناة السويس يعني قدرة أكبر على الوصول إلى أكثر من سوق من نقطة إنتاج واحدة.

من «صُنع في الصين» إلى «صُنع في مصر»؟

هذه ربما تكون أهم نقطة في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين.

لسنوات طويلة ارتبطت الصين في ذهن المستهلك المصري بالمنتجات المستوردة، لكن المرحلة الجديدة تحمل نموذجًا مختلفًا يقوم على جذب الشركات الصينية للتصنيع داخل مصر.

وتشمل التحركات الاستثمارية قطاعات تمتد من الطاقة الجديدة والمتجددة إلى السيارات ومكوناتها والصناعات الهندسية والطبية وغيرها من المجالات الصناعية.

وقبل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني بأيام، ناقشت القاهرة وبكين مشروعًا لإنشاء مجمع صناعي متكامل داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات محتملة تصل إلى ملياري دولار، مع توقعات بتوفير أكثر من 3 آلاف فرصة عمل.

وإذا توسع هذا الاتجاه، فإن العبارة الأهم في العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية خلال السنوات المقبلة قد لا تكون «مستورد من الصين»، وإنما «صُنع في مصر باستثمار وتكنولوجيا صينية».

مصر بوابة إلى أفريقيا

السوق المصرية مهمة، لكنها ليست السوق الوحيدة التي يمكن أن تستهدفها الاستثمارات الصينية الموجودة في مصر.

فالقاهرة تتمتع بموقع يجعلها على مسافة قريبة من الشرق الأوسط وأفريقيا والبحر المتوسط، إلى جانب شبكة من الاتفاقيات التجارية التي تمنح المنتجات المصنعة محليًا فرصًا للوصول إلى أسواق أكبر.

وهنا تظهر أفريقيا تحديدًا في الحسابات.

الصين تمتلك بالفعل حضورًا اقتصاديًا واسعًا داخل القارة، بينما تمثل مصر بوابتها الشمالية الشرقية وأحد أهم مراكز الربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.

وبالتالي فإن إقامة مصنع صيني في مصر لا تعني بالضرورة إنتاج سلعة للسوق المصرية فقط، وإنما يمكن أن تعني إنشاء قاعدة إنتاج تستهدف أسواقًا متعددة انطلاقًا من الأراضي المصرية.

علاقة ضخمة.. لكنها غير متوازنة تجاريًا

رغم قوة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فإن الأرقام تكشف عن تحدٍ واضح أمام القاهرة.

فحجم التجارة المصرية الصينية بلغ نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025، لكن الجزء الأكبر من هذا الرقم جاء من الواردات المصرية من الصين، التي اقتربت من 19.9 مليار دولار، بينما بلغت الصادرات المصرية إلى السوق الصينية نحو 819 مليون دولار.

هذه الفجوة تجعل زيادة التجارة وحدها ليست الهدف الأكثر أهمية بالنسبة لمصر.

التحدي الأكبر يتمثل في زيادة المكون الصناعي والاستثماري للعلاقة، وجذب مصانع صينية تنتج محليًا، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وزيادة الصادرات المصرية إلى الصين والأسواق الأخرى.

أي أن نجاح المرحلة الجديدة لن يقاس فقط بحجم الأموال الصينية التي تدخل مصر، وإنما بما تنتجه هذه الاستثمارات داخل الاقتصاد المصري.

لماذا مصر الآن؟

لأن الجغرافيا التي منحت مصر أهميتها طوال تاريخها أصبحت أكثر أهمية في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على طرق التجارة وسلاسل الإمداد والأسواق الجديدة.

الصين ترى أمامها دولة تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وتمتلك سواحل على البحرين الأحمر والمتوسط، ومناطق صناعية قادرة على استقبال استثمارات جديدة، وسوقًا يتجاوز 100 مليون مستهلك، وموقعًا يفتح الطريق نحو أفريقيا والشرق الأوسط.

لذلك، فإن زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة لا تطرح سؤالًا واحدًا حول ما يمكن أن تحصل عليه مصر من الصين.

 

f
تابع يونيو نيوز على فيسبوك
تابع آخر الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة
تابعنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»