مساحة رأي

محمو أبو السعود يكتب:«آخر مشوار إلى لقمة العيش».. 18 حكاية انتهت على طريق الدواويس

✍️ كتب: محمود أبو السعود

خرجوا من بيوتهم بحثًا عن جنيهات قليلة في نهاية يوم عمل شاق، لم يكونوا في طريقهم إلى رحلة أو نزهة، وإنما إلى الأراضي الزراعية في الإسماعيلية، يحملون معهم أحلامًا بسيطة لا تتجاوز يوم عمل وأجرًا يعود إلى البيت، ثم نومًا قصيرًا استعدادًا ليوم جديد، لكن اليوم الجديد لم يأتِ للجميع، وتحولت رحلة البحث عن الرزق في لحظات إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة.

 

على طريق الدواويس بمركز القصاصين في محافظة الإسماعيلية، وقع التصادم بين سيارتين تقلان عمالًا، وتحولت الطريق إلى مشهد مؤلم، أجساد متناثرة ومصابون ينتظرون الإنقاذ وأسر تتلقى اتصالات لم تكن تتخيل يومًا أن تسمع ما فيها، ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 18 شخصًا، إلى جانب عشرات المصابين، ليصبح هؤلاء الذين خرجوا بحثًا عن لقمة العيش مجرد أرقام في حصيلة حادث، بينما الحقيقة أن وراء كل رقم بيتًا لن يعود كما كان.

 

ثمانية عشر إنسانًا لم يكونوا مجرد ركاب داخل سيارتين، كانوا أبناء وآباء وأشقاء، وكان لكل واحد منهم شخص ينتظر عودته، ربما كانت هناك أم تعد الطعام وهي تترقب صوت ابنها عند الباب، أو طفل ينتظر أباه حاملًا أجر يومه، أو أسرة بنت حساباتها على الجنيهات التي سيعود بها أحد أبنائها مساءً، لكن بدلًا من العودة، جاءت أخبار المستشفيات وثلاجات الموتى، وتحولت رحلة العمل إلى رحلة بلا عودة.

 

والأكثر قسوة أن الحديث عن الضحايا لم يتوقف عند العمال البالغين، بعدما كشفت المعلومات المتداولة عن وجود أطفال ومراهقين وصغار سن بين الضحايا والمصابين، كانوا متجهين أيضًا إلى العمل في المزارع، وهنا تصبح المأساة أكبر بكثير من مجرد حادث تصادم على الطريق، وتتحول إلى سؤال اجتماعي مؤلم: لماذا كان طفل في هذا العمر يستيقظ مبكرًا ليذهب إلى العمل بدلًا من أن يحمل حقيبته إلى المدرسة أو يعيش سنوات عمره الطبيعية؟

 

من شغّل هؤلاء الصغار؟ ومن جمعهم للعمل؟ ومن كان مسؤولًا عن نقلهم؟ وهل كانت هناك رقابة على أعمار العاملين وظروف تشغيلهم ووسائل انتقالهم؟ وهل كان أحد سيسأل هذه الأسئلة لو وصلت السيارتان إلى المزارع بسلام في ذلك اليوم؟ ربما تكمن المأساة الأكبر هنا، في أن بعض المشاهد الخطرة تتحول مع كثرة تكرارها إلى مشاهد عادية، حتى تقع الكارثة فنكتشف فجأة أنها لم تكن عادية أبدًا.

 

مشهد سيارات نقل العمال ليس غريبًا على كثير من الطرق والمناطق الزراعية، عمال يتكدسون داخل مركبات أو فوقها، يقطعون عشرات الكيلومترات للوصول إلى الحقول والمزارع، لأنهم ببساطة لا يملكون رفاهية اختيار وسيلة انتقال أخرى، العامل الذي ينتظر أجر يومه قد لا يستطيع الاعتراض على طريقة نقله، وقد يكون خياره الوحيد هو أن يصعد إلى السيارة أو يخسر فرصة العمل وما ستوفره من دخل لأسرته.

 

لكن الفقر لا يجب أن يتحول إلى تصريح بالمخاطرة بحياة البشر، والحاجة إلى العمل لا ينبغي أن تعني أن تصبح حياة العامل أرخص، العامل الزراعي مواطن كامل الحقوق، ومن يخرج قبل شروق الشمس ليعمل تحت حرارة الشمس ساعات طويلة يستحق على الأقل وسيلة انتقال تحافظ على حياته، لا رحلة يظل خلالها الاحتمال قائمًا بأن تكون آخر رحلة له.

 

حادث الدواويس أعاد فتح ملف أكبر من حدود الإسماعيلية والقصاصين، نحن أمام قضية تتعلق بمنظومة كاملة لنقل العمالة اليومية والزراعية، ومدى الرقابة على المركبات المستخدمة، وأعداد من يستقلونها، وصلاحيتها الفنية، وظروف الرحلات التي تقطعها يوميًا، والمسؤول عن توفيرها، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول رحلة العمل إلى مأساة.

 

تحركت أجهزة الدولة عقب الحادث، وصدرت توجيهات بمتابعة المصابين وأسر الضحايا، والتحقيق في أسباب وملابسات ما جرى، إلى جانب الإعلان عن مساعدات وتعويضات للأسر، وهي تحركات ضرورية، لكنها يجب ألا تكون نهاية الحكاية، لأن الأموال مهما بلغت قيمتها لن تعيد ابنًا إلى أمه، ولن تعيد أبًا إلى أطفاله، ولن تجعل بيتًا فقد أحد أفراده يعود إلى ما كان عليه قبل ذلك اليوم.

 

السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سنقدم لأسر الـ18 الذين رحلوا؟ السؤال الأصعب هو: ماذا سنفعل حتى لا يصبح الرقم 19 و20 و30 في حادث آخر؟

 

لا أحد يطالب بإصدار أحكام قبل انتهاء التحقيقات، ولا بتوجيه الاتهامات دون دليل، لكن من حق المجتمع أن يطالب بفتح الملف كاملًا، من حقنا أن نعرف كيف تُنقل العمالة الزراعية واليومية، وما الاشتراطات التي يجب توافرها في المركبات التي تحمل عشرات البشر يوميًا، ومدى الالتزام بها، ومن يراقبها، وما العقوبة عندما يجري تعريض حياة العمال للخطر.

 

ومن حق المجتمع كذلك أن يعرف حقيقة وجود صغار السن ضمن العمال، وكيف وصلوا إلى تلك الأعمال، وما إذا كانت هناك مخالفات تتعلق بتشغيل الأطفال أو القُصّر فالفقر الذي يدفع أسرة إلى إرسال طفل للعمل يستحق معالجة اجتماعية حقيقية، لكنه لا يمكن أن يصبح مبررًا لغض الطرف عن حماية الطفل أو السماح بأن يدفع حياته ثمنًا لحاجة أسرته.

 

المؤلم في الدواويس أن الضحايا لم يكونوا يفعلون شيئًا سوى محاولة كسب رزقهم، خرجوا ليعملوا، لا أكثر، وهذه الحقيقة وحدها تجعل المأساة أكثر قسوة. الإنسان الذي يغادر منزله بحثًا عن قوت يومه يجب أن تكون عودته سالمًا حقًا أساسيًا، لا أمنية ترددها أسرته كل صباح.

 

خلال أيام ستنتهي الجنازات، وستُرفع سرادقات العزاء، وسيعود الطريق إلى حركة المرور المعتادة، وستتراجع صور الحادث تدريجيًا من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يهدأ كل شيء، عندما ننسى، وتعود سيارات العمال إلى الطرق بالطريقة نفسها، ويعود الأطفال وصغار السن إلى الحقول، وننتظر حادثًا جديدًا حتى نتذكر أن هناك مشكلة.

 

لا تجعلوا الدواويس مجرد «ترند» حزين عاش أيامًا ثم اختفى، ولا تجعلوا صور الضحايا مادة للبكاء المؤقت قبل أن تبتلعها أخبار جديدة، هذه المأساة يجب أن تتحول إلى نقطة فاصلة تفرض مراجعة حقيقية لقواعد نقل العمال، وتشديد الرقابة على المركبات، ومواجهة أي مخالفات تتعلق بتشغيل الأطفال، ومحاسبة كل من تثبت التحقيقات مسؤوليته عن تعريض حياة البشر للخطر.

 

ثمانية عشر إنسانًا رحلوا، لكن وراء الرقم ثمانية عشر حكاية توقفت فجأة، وثمانية عشر مقعدًا أصبح فارغًا، وثمانية عشر بيتًا دخل إليه الحزن، وأمهات وآباء وأشقاء وأبناء سيظل يوم الدواويس محفورًا في ذاكرتهم مهما مرت السنوات.

 

هؤلاء لم يطلبوا الكثير من الحياة، كانوا يريدون أن يعملوا، ويحصلوا على أجرهم، ثم يعودوا إلى بيوتهم.

لكنهم خرجوا وراء لقمة العيش.. فكان ثمنها هذه المرة العمر كله.

 

وإذا كان هناك حق حقيقي يمكن أن يحصل عليه ضحايا الدواويس بعد رحيلهم، فلن يكون التعويض وحده، وإنما أن تتحول دماؤهم إلى قرار ورقابة ومحاسبة، وأن يصبح الطريق أكثر أمانًا لكل عامل سيخرج غدًا من منزله بحثًا عن الرزق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى