«إسرائيل» تغيب عن خريطة المنهج المصري.. لماذا أثارت «حصة التاريخ» جدلًا في تل أبيب؟

أثارت خريطة متداولة ضمن منهج التاريخ لطلاب الصف الثاني بنظام البكالوريا المصرية حالة من الجدل في وسائل إعلام إسرائيلية، بعدما ظهرت الأراضي الواقعة على الحدود الشرقية لمصر تحت اسم «فلسطين»، في حين غاب اسم «إسرائيل» عن الخريطة، لتتحول مادة تعليمية داخل فصل دراسي مصري إلى موضوع ذي أبعاد سياسية في تل أبيب.
خريطة مدرسية تفتح ملفًا سياسيًا
بدأ الجدل عقب تداول صورة للخريطة، التي تعرض مصر ومحيطها الجغرافي، بينما يظهر اسم «فلسطين» شرق الحدود المصرية دون الإشارة إلى «إسرائيل».
وتناولت وسائل إعلام إسرائيلية الخريطة باعتبارها قضية تتجاوز حدود المحتوى التعليمي، وطرحت تساؤلات بشأن دلالتها في دولة ترتبط بإسرائيل بمعاهدة سلام وعلاقات دبلوماسية رسمية منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وتأتي حساسية القضية بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي من ارتباط المناهج الدراسية بتشكيل معرفة الأجيال الجديدة، وهو ما جعل طريقة عرض المنطقة في الكتب المصرية محل متابعة من جانب مراكز بحثية ووسائل إعلام إسرائيلية على مدار سنوات.
القضية ليست جديدة
الجدل الحالي لا يمثل المرة الأولى التي تثار فيها قضية ظهور إسرائيل في المناهج المصرية؛ إذ سبق أن تناولت دراسات وتقارير إسرائيلية محتوى عدد من الكتب الدراسية المصرية، وسلطت الضوء على خرائط تستخدم اسم «فلسطين» أو «فلسطين المحتلة»، مع غياب اسم إسرائيل عن بعضها.
ومن هنا، فإن الخريطة المتداولة حاليًا أعادت إلى الواجهة نقاشًا إسرائيليًا أقدم حول الطريقة التي تقدم بها المناهج المصرية القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي للطلاب، ومدى انعكاس العلاقات الرسمية بين القاهرة وتل أبيب على المحتوى التعليمي.
السلام حاضر في المنهج.. والاسم يغيب عن الخريطة
وتبرز مفارقة أخرى في القضية، وهي أن تناول المناهج المصرية للتاريخ الحديث لا يتوقف عند الصراع العسكري، وإنما يمتد إلى حرب أكتوبر 1973 ومسار المفاوضات وعملية السلام والتطورات اللاحقة للقضية الفلسطينية.
وبالتالي، فإن غياب اسم إسرائيل عن الخريطة لا يعني بالضرورة تجاهل وجودها أو تجاهل معاهدة السلام داخل المحتوى التعليمي نفسه، لكنه يطرح تساؤلًا مختلفًا بشأن الفصل بين تناول إسرائيل كطرف سياسي في أحداث المنطقة وبين الطريقة التي تظهر بها الأراضي الفلسطينية على الخرائط التعليمية.
هل تمثل الخريطة خرقًا لمعاهدة السلام؟
رغم الجدل الذي صاحب الخريطة، فإن الانتقال من الاعتراض السياسي أو الإعلامي عليها إلى اعتبارها خرقًا لمعاهدة السلام يحتاج إلى أساس قانوني أكثر تعقيدًا من مجرد طريقة تسمية منطقة جغرافية داخل كتاب مدرسي.
فمعاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1979 نظمت مجموعة من الالتزامات المتعلقة بإنهاء حالة الحرب والاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الطبيعية بين الطرفين، بينما يحتاج اعتبار محتوى تعليمي بعينه مخالفًا للمعاهدة إلى تحديد طبيعته الرسمية ومدى ارتباطه بالتزامات محددة واردة فيها.
لذلك، فإن الجدل الدائر حتى الآن يبقى في الأساس سياسيًا وإعلاميًا، ما لم يصدر موقف رسمي أو إجراء دبلوماسي ينقل القضية إلى مستوى آخر.
لماذا أقلقت خريطة مدرسية إسرائيل؟
بعيدًا عن الخريطة نفسها، يكشف الاهتمام الإسرائيلي بالقضية عن حساسية أوسع تتعلق بصورة إسرائيل لدى الأجيال المصرية الجديدة بعد عقود من توقيع اتفاقية السلام.
فالعلاقات الدبلوماسية بين الدول يمكن تنظيمها بالمعاهدات والاتفاقيات، لكن تشكيل الوعي التاريخي والجغرافي داخل المجتمعات مسألة مختلفة وأكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
وبعد ما يقرب من خمسة عقود على بدء مسار السلام المصري الإسرائيلي، أعادت خريطة داخل كتاب مدرسي السؤال إلى الواجهة من زاوية غير معتادة: إلى أي مدى تستطيع الاتفاقيات السياسية تغيير الطريقة التي ترى بها الشعوب تاريخ المنطقة وجغرافيتها؟